تكتسب زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون، إلى إيطاليا أهمية سياسية ودبلوماسية لافتة، في ظل مرحلة دقيقة يمر بها لبنان، لا سيما مع استمرار التوتر في الجنوب وتعثر مسار تنفيذ اتفاق الإطار الذي يرعى المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية.
وتحمل الزيارة، التي شملت لقاء رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، والرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، إلى جانب لقاء البابا لاون الرابع عشر، أبعادًا تتجاوز العلاقات الثنائية بين بيروت وروما، لتشمل البحث في دور أوروبي فاعل في الجنوب، ودعم لبنان في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية، فضلًا عن تعزيز شبكة الاتصالات الدولية التي يعتمد عليها لبنان للدفع باتجاه تثبيت الاستقرار وتنفيذ اتفاق الإطار.
وفي هذا السياق، تقول الكاتبة السياسية روزانا بو منصف، إن زيارة الرئيس جوزيف عون إلى روما ترتبط بموضوعين أساسيين، أولهما البحث في تشكيل الفريق المراقب للمناطق التجريبية، مع طرح إيطاليا كإحدى أبرز الدول الأوروبية التي يمكن أن تتولى رئاسة هذا الفريق ميدانيًا.
وتضيف أن الموضوع الثاني يرتبط بالبحث الجاري عن قوة أوروبية فاعلة يمكن أن تحل مكان القوة الدولية العاملة في الجنوب، أي قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، التي تنتهي مدة انتدابها في الجنوب اللبناني نهاية العام الجاري، مشيرة في الوقت نفسه إلى استضافة إيطاليا حتى الآن جولتين من جولات التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية.
وترى الكاتبة روزانا بو منصف، أن للكرسي الرسولي تأثيرًا فاعلًا في لبنان، برز بصورة خاصة في الجهود التي بذلها السفير البابوي المعتمد في لبنان مع القوى المسيحية في الجنوب لتجنيبها التهجير الذي طال قرى أخرى، لافتة إلى أن لبنان عوّل دائمًا على الفاتيكان، في ضوء وجود طائفة مسيحية كبيرة فيه.
وتشير إلى أن زيارة البابا لاون الرابع عشر للبنان في نوفمبر الماضي، في أولى إطلالاته الخارجية بعد انتخابه، شكلت رسالة قوية بشأن اهتمام الفاتيكان بلبنان وضرورة الحفاظ عليه بعيدًا عن الحرب.
وفي ما يتعلق بقدرة إيطاليا وأوروبا على ممارسة ضغوط على إسرائيل، تؤكد الكاتبة روزانا بو منصف، أن «لا أحد يستطيع الضغط فعليًا على إسرائيل سوى الولايات المتحدة الأميركية»، إلا أنها ترى أن بعض القنوات التي تقيم مصالح مع إسرائيل يمكن أن تساهم في تخفيف حدة بعض المسارات أو فتح نوافذ تواصل جانبية بشأن ملفات حساسة.
وتوضح أن لبنان يحاول، عبر شبكة من الاتصالات والزيارات، تشكيل مروحة ضاغطة تساعده على تنفيذ اتفاق الإطار، الذي لا يصطدم بالتصلب الإسرائيلي فحسب، وإنما أيضًا بموقف إيران الذي ينعكس عبر «حزب الله» من خلال رفض اتفاق الإطار وعدم التجاوب مع مساعي الدولة اللبنانية في موضوع حصر السلاح، وهو ما قد يساهم، بحسب قراءتها، في إبطاء مسار الانسحاب الإسرائيلي.
وتلفت الكاتبة روزانا بو منصف، إلى أن فرنسا كانت على الدوام البوابة الأوروبية التقليدية للبنان، إلا أن التوجه نحو إيطاليا في المرحلة الراهنة يستند إلى كونها دولة صديقة للبنان، ولها علاقات جيدة مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، بما قد يؤهلها للاضطلاع بدور في الجنوب، معتبرة أن الاعتماد في المرحلة الحالية يتركز بصورة خاصة على الدعم الأميركي، باعتباره الأساس في أي مسعى للضغط على إسرائيل، في وقت تبدو فيه التوقعات بإمكان ممارسة ضغط فعلي عليها صعبة، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر المقبل.
وفي المقابل، لا يريد لبنان، بحسب الكاتبة روزانا بو منصف، أن يفقد الزخم الذي توفره جولات التفاوض، خشية أن يدخل اتفاق الإطار، وكذلك الوضع في الجنوب، في حالة من الجمود ستكون تداعياتها سلبية للغاية على لبنان.
وتخلص إلى أن لبنان لا يملك في المرحلة الراهنة سوى المسار الدبلوماسي، مهما كانت نتائجه متواضعة، في ظل ضيق الخيارات، مشيرة إلى أن رئيس الجمهورية جوزاف عون سبق أن أكد أنه لا سبيل أمام لبنان سوى اعتماد الطرق الدبلوماسية، مؤكدة أن القلق الذي عبّر عنه الفاتيكان حيال تعثر اتفاق الإطار أو عدم تنفيذه يعكس حجم الصعوبات التي يواجهها لبنان، ويحذر في الوقت نفسه من التداعيات الخطيرة التي قد تترتب على سقوط الاتفاق في حال حدوث ذلك.
ومن زاوية عسكرية وسياسية، يرى العميد منير شحادة، المنسق السابق للحكومة اللبنانية لدى «اليونيفيل»، أن زيارة الرئيس جوزاف عون إلى روما «كانت أبعد من مجرد طلب دعم للبنان»، معتبرًا أنها تمثل محاولة لتحويل الملف اللبناني من قضية ثنائية بين بيروت وواشنطن وتل أبيب إلى قضية تحظى بغطاء أوروبي وفاتيكاني، خصوصًا في ما يتعلق بملف الجنوب والانسحاب الإسرائيلي.
ويشير شحادة إلى أن الفاتيكان، وإن لم يكن طرفًا تفاوضيًا مباشرًا، يستطيع أن يكون طرفًا مؤثرًا سياسيًا وأخلاقيًا، موضحًا أن قوته لا تكمن في امتلاك أدوات ضغط عسكرية أو اقتصادية، وإنما في قدرته على التأثير في العواصم الغربية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بحماية المدنيين وسيادة لبنان ومنع استمرار الاحتلال.
ويرى أن الدعم الإيطالي والفاتيكاني لا يكفي وحده لفرض الانسحاب الإسرائيلي، معتبرًا أن تحوله إلى ضغط حقيقي يتطلب الانتقال من البيانات السياسية إلى موقف أوروبي أكثر وضوحًا، وربط العلاقات والدعم الدولي بضرورة احترام سيادة لبنان وتنفيذ الالتزامات المتعلقة بالجنوب.
ويقول شحادة إن لبنان «لا يخرج من روما بأوراق تفاوضية جديدة بالمعنى العسكري»، لكنه قد يخرج «بورقة سياسية مهمة»، تتمثل في توسيع دائرة الدول الداعمة لمطالبه، مشددًا على أن مشكلة لبنان لا تكمن فقط في عرض مطالبه، وإنما في تحويلها إلى موقف دولي جماعي.
ويعتبر أن إيطاليا يمكن أن تكون بوابة لتحرك أوروبي أوسع، خصوصًا أن لديها حضورًا عسكريًا وسياسيًا في لبنان، وعلاقة مباشرة بملف «اليونيفيل»، فضلًا عن موقعها داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي تقييمه لنتائج الزيارة، يلفت شحادة إلى ضرورة الفصل بين ما تحقق فعليًا وما بقي في إطار الوعود، موضحًا أن ما تحقق سياسيًا هو الحصول على تأكيدات ودعم للموقف اللبناني، أما إذا لم يترافق ذلك مع آلية ضغط على إسرائيل أو خطوات أوروبية–أميركية واضحة، فإن الحديث عن تغيير موازين القوى يبقى مبكرًا.
ويضيف أن زيارة روما يمكن قراءتها أيضًا باعتبارها تحصينًا للموقف اللبناني قبل احتمال حدوث تطورات ميدانية جديدة، معتبرًا أن ذلك منطقي في ظل استمرار التصعيد، إذ يحاول لبنان الدخول إلى أي مرحلة تفاوضية مقبلة وهو ليس وحيدًا سياسيًا.
ويؤكد شحادة أن الدبلوماسية اللبنانية أصبحت أكثر إلحاحًا، لكنها لا تزال محدودة الأدوات، مشيرًا إلى أن لبنان يمتلك شرعية الدولة والقرارات الدولية والجيش و«اليونيفيل» والعلاقات العربية والدولية، لكنه لا يمتلك وحده الوسائل التي تجبر إسرائيل على الانسحاب.
وعن مدى قدرة الرئيس عون على تحويل الدعم الذي حصل عليه في روما إلى ضغط فعلي، يرى شحادة أن ذلك ممكن، ولكن بشرط أن تتحول روما «من محطة دبلوماسية منفردة إلى بداية مسار أوروبي منسق يضم إيطاليا وفرنسا والاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع التواصل مع واشنطن».