زيارة حميدتي إلى أنجمينا.. أسئلة محرجة أمام النظام التشادي وحدود الدور في الحرب السودانية

تثير الزيارة المنسوبة إلى قائد قوات الدعم السريع السودانية، محمد حمدان دقلو «حميدتي»، إلى العاصمة التشادية أنجمينا، جدلًا سياسيًا واسعًا، في ظل استمرار الحرب السودانية وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية من أجل الوصول إلى تسوية تنهي القتال وتضع حدًا للأزمة الإنسانية المتفاقمة.

وبحسب مصادر لـ "الفجر"، وصل حميدتي إلى أنجمينا، الخميس 13 أغسطس 2026، بدعوة من رئيس النظام الحاكم في تشاد، محمد كاكا.

وإذا صحت هذه المعلومات، فإن الزيارة لا تبدو حدثًا عابرًا، بالنظر إلى موقع تشاد الجغرافي والسياسي، وعلاقتها المباشرة بتطورات الحرب في السودان، فضلًا عن الحدود الطويلة بين البلدين والتداخل الاجتماعي والأمني بينهما.

تأتي زيارة حميدتي في مرحلة بالغة التعقيد من الحرب السودانية، التي اندلعت في أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وأدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، ونزوح ملايين المدنيين داخل السودان وخارجه، فضلًا عن تدمير واسع للبنية التحتية وتفاقم الأوضاع الإنسانية.

وفي مثل هذا السياق، فإن استقبال قائد أحد طرفي الحرب في العاصمة التشادية يفرض بطبيعته مجموعة من التساؤلات حول طبيعة الزيارة وأهدافها، خصوصًا أن تشاد ليست دولة بعيدة عن تداعيات الصراع، بل تقع في قلب البيئة الإقليمية المتأثرة بالحرب السودانية، ولا سيما التطورات في إقليم دارفور.

ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بوصول حميدتي إلى أنجمينا، وإنما بما إذا كانت الزيارة تمثل تحركًا سياسيًا بهدف الدفع نحو السلام، أم أنها تأتي في إطار ترتيبات أو حسابات إقليمية مرتبطة بموازين القوى داخل السودان.

تتمتع تشاد بأهمية استراتيجية خاصة في الملف السوداني. فالحدود المشتركة، والامتدادات الاجتماعية والقبلية، والتداخل الاقتصادي والأمني، تجعل أي تطور سياسي أو عسكري في دارفور ذا انعكاسات مباشرة على الداخل التشادي.

ولهذا فإن استقبال شخصية بحجم حميدتي في أنجمينا، في ظل استمرار الحرب، يضع القيادة التشادية أمام مسؤولية توضيح طبيعة هذا التحرك للرأي العام التشادي والسوداني على حد سواء.

فإذا كان الهدف من الزيارة هو السلام، فإن السؤال المشروع هو: لماذا لا تُعلن تفاصيل المبادرة بوضوح؟ وما طبيعة الدور الذي تريد تشاد القيام به؟ وهل توجد خارطة طريق أو اتصالات مع بقية الأطراف السودانية؟

أما إذا كان الهدف هو الوساطة، فإن نجاح أي وساطة يتطلب قدرًا عاليًا من التوازن والانفتاح على جميع أطراف الأزمة، حتى لا تتحول الوساطة إلى انحياز سياسي أو دعم غير مباشر لأحد طرفي النزاع.

الزيارة تفتح الباب أمام عدد من الأسئلة التي يصعب تجاوزها:

هل جاءت ضمن مبادرة تشادية مستقلة للسلام، أم ضمن تحرك إقليمي أوسع؟

هل التقت القيادة التشادية أو ستلتقي ممثلين عن بقية الأطراف السودانية؟

ما طبيعة الملفات التي نوقشت؟ وهل تتعلق بوقف إطلاق النار، أو المساعدات الإنسانية، أو الترتيبات الأمنية والسياسية؟

وما الضمانات التي تمنع تحول الأراضي أو الحدود التشادية إلى جزء من الصراع السوداني؟

هذه الأسئلة لا تخص السودانيين وحدهم، وإنما تمس الأمن القومي التشادي بصورة مباشرة، لأن استمرار الحرب في السودان يفرض على تشاد تحديات أمنية وإنسانية واقتصادية متزايدة.

لا يعني استقبال طرف في نزاع بالضرورة تبني مواقفه، لكن الدبلوماسية في مثل هذه الظروف تحتاج إلى قدر كبير من الشفافية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بصراع مسلح طال أمده وأصبح ذا تأثير إقليمي.

وتزداد حساسية المسألة عندما يتعلق الأمر بقائد عسكري يترأس قوة مسلحة تخوض حربًا داخل دولة مجاورة، إذ يمكن لأي خطوة غير واضحة أن تُفسر سياسيًا باعتبارها انحيازًا، حتى وإن كان الهدف المعلن منها مختلفًا.

ومن ثم، فإن المصلحة التشادية تقتضي أن يكون أي تحرك تجاه الأزمة السودانية معلن الأهداف، واضح الأدوات، ومتوازنًا في التعامل مع مختلف الأطراف، بما يحافظ على علاقات تشاد مع الشعب السوداني ومؤسسات الدولة السودانية، ويجنبها التورط في الحرب.

السؤال الأوسع الذي تفرضه الزيارة هو: ما هي الاستراتيجية التشادية تجاه الحرب السودانية؟

هل تريد أن تلعب أنجمينا دور الوسيط؟أم تسعى إلى حماية أمن حدودها ومصالحها الوطنية؟أم أنها تتحرك ضمن ترتيبات إقليمية أوسع؟أم أن الزيارة جزء من مسار سياسي جديد يتعلق بمستقبل الصراع السوداني؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدد طبيعة قراءة الزيارة، وستكشف ما إذا كانت تشاد تسعى إلى لعب دور مستقل في صناعة السلام، أم أنها تتحرك ضمن حسابات أطراف أخرى.

في نهاية المطاف، فإن الشفافية ليست مطلبًا إعلاميًا فحسب، بل ضرورة سياسية وأمنية.

فالشعب التشادي من حقه أن يعرف لماذا استُقبل حميدتي في أنجمينا، ومن الذي وجه الدعوة، وما طبيعة المباحثات التي جرت، وما النتائج التي تم التوصل إليها، وما موقع هذه الزيارة من الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب السودانية.

كما أن الشعب السوداني، الذي يدفع الثمن الأكبر لهذه الحرب، من حقه أن يعرف طبيعة التحركات الإقليمية التي تجري باسمه أو حول أزمته.

وتبقى المسألة الأساسية: هل تعمل تشاد من أجل إنهاء الحرب السودانية، أم أن الحرب بدأت تفرض نفسها على حسابات أنجمينا بحيث تتحول تشاد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من دولة مجاورة إلى طرف في معادلات الصراع؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط طبيعة زيارة حميدتي إلى أنجمينا، وإنما ستكشف أيضًا حدود الدور التشادي في واحدة من أخطر الأزمات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة.