زوال الدهشة – صالح الشادي

قيل قديماً إن الدهشة هي أم الفلسفة، وأنها الشرارة التي أيقظت وعي الإنسان، ودفعته إلى التساؤل عن ذاته وعن العالم. لم تكن مجرد انفعال عابر، بل كانت البنية المستمرة للفعل التأملي، ذلك السؤال المفتوح الذي لا يكف عن النبض: لماذا هناك وجود بدلاً من لا شيء؟ إنها التي تفتح الباب أمام التفكير العميق. لكن ماذا يحدث حين تغيب هذه الدهشة؟ حين يصير العالم معروضاً أمامنا في لوحة مضيئة لا تتوقف عن التحديث، وحين يصير كل شيء مفسراً، أو قابلاً للتفسير، قبل أن يتشكل السؤال في أذهاننا؟

نعيش اليوم في زمن تتدفق فيه المعلومات إلينا من كل حدب وصوب، بسرعة لا تترك للذهن فرصة للتوقف والتأمل. يقضي الفرد ساعات متواصلة أمام الشاشات، في تغذية مستمرة لا تعرف الكلل. وما كان بالأمس القريب حدثاً مذهلاً يثير الدهشة ويستحوذ على انتباه الناس لأيام وأسابيع، صار اليوم يتصدر واجهات الأخبار لبضع ساعات، ثم يندثر في غياهب الخوارزميات وكأنه لم يكن. كم مرة نقف اليوم أمام ظاهرة ما متسائلين، حائرين، منبهرين؟ أم أننا أصبحنا نستهلك المعلومات بشراهة، لكننا نشعر بأننا أقل تغذية؟

المفارقة أن وفرة المعطيات لم تؤدِّ إلى زيادة المعرفة بقدر ما أدت إلى ما يمكن وصفه بـ»إدمان التوقع». صار العقل البشري، تحت وطأة هذا الفيض المتدفق، ينتقل من حالة الانبهار إلى حالة الفحص والتقييم السريعين. لم نعد نندهش للشيء ذاته، بل نسرع في تصنيفه: هل هو حقيقي أم مفبرك؟ هل هو جديد أم مُعاد تدويره؟ هذه الآلية القاسية تقتل لحظة الرهبة قبل أن تولد، وتحول الدهشة إلى مجرد رد فعل شرطي تجاه سرعة الاستجابة، لا تجاه عمق المضمون.

هذا ليس مجرد وصف شعوري، بل واقع نفسي ومعرفي بدأ يُمنح أسماءً عديدة: الإرهاق الرقمي، الضباب البياناتي، التخدير البصري. إنه أشبه بنظام يغرق في فيضانه، حيث يؤدي الطوفان الساحق من المعلومات، الكثير منها منخفض القيمة ومتكرر، إلى إرهاق معرفي عميق، وسخرية، وفي النهاية إلى انفصال وجودي. ففي غياب المسافة التأملية، تتحول الدهشة من أداة معرفية إلى عبء نفسي، ومن ثم نصمت الأسئلة الكبرى ليحل محلها الضجيج الأبيض.

جيل الثلاثينيات اليوم هو الجيل الذي ولد وفي جيبه الإنترنت، أو كاد. لم يعرف عالماً بلا شبكة عنكبوتية، ولم يختبر دهشة الاختراق التكنولوجي بالطريقة التي اختبرها من سبقوه. يتذكر الجيل الأكبر كيف كانت القفزة من التلفاز الأسود إلى الملون، أو من الرسائل الورقية إلى البريد الإلكتروني، تبدو أشبه بقفزة نحو عالم سحري.

أما اليوم، فالتكنولوجيا لم تعد سحرية بهذا المعنى؛ فالكمبيوتر الخارق في الجيب صار بديهياً، والمكالمة المرئية عبر القارات صارت عادية، وبث أي محتوى في أي لحظة صار كالتنفس. العالم بأكمله، بكل ثقافاته وأطيافه، بين أطراف أصابعنا، لكن هذا التيار المتواصل، بدلاً من أن يفتح الآفاق، يبدو طاغياً ومرهقاً، وكأنه يسرق من الأفق بريقه.

وهنا تكمن المفارقة الأعمق. في قرية كونية واحدة، حيث صارت كل العادات معروضة ومكشوفة، قد لا يكون هذا تقدماً بالمعنى الإنساني العميق، بل هو تبلد وجداني ناتج عن التخدير البصري. عندما ترى كل شيء، يتوقف الذهن عن إصدار أحكام الرفض أو الدهشة، ليس لأنك متسامح بالضرورة، بل لأنك منهك، وتائه في زحام الصور. نتكيف، نستوعب، نطبع، ثم نتوقف عن طرح الأسئلة. نتوقف عن أن نكون فضوليين بحق.

ولعل الدهشة الحقيقية التي لم تزل، هي دهشتنا من قدرتنا المذهلة على التأقلم مع هذا الكم الهائل من المتغيرات، وكأننا سمكة لا تدهشها حرارة الماء لأنها تعيش فيه منذ ولدت. لكن لحظة خروجها منه، لحظة الصدمة، هي لحظة الدهشة الحقيقية. نحن بحاجة إلى تعمّد الدهشة، أي إلى خلق مساحات من الصمت والبطء، لنرى الغريب في المألوف، والمستنكر في المعتاد. نحن بحاجة إلى استعادة التواضع الفكري الذي يجعلنا منفتحين على المجهول، مدركين أننا لا نرى الأشياء كما هي، بل كما نحن.

في النهاية، ليست الدهشة قد زالت تماماً، لكنها انتقلت من الظواهر الكبرى إلى التفاصيل الصغرى. هي اليوم في أن يكتب لك ذكاء اصطناعي قصيدة حب، فتندهش من برودته ثم تندهش من تأثرك أنت بها. هي في أن تجد إنساناً في زمن الضجيج لا يزال يصغي إليك دون أن يلتفت إلى شاشته. هي في أن تكتشف أن رغم كل هذه المعرفة المتراكمة، ما زلنا عاجزين عن فهم أعماق أنفسنا. الدهشة، في جوهرها، ليست ردة فعل على الجديد، بل هي قدرة على رؤية القديم بعيون جديدة، وبقلب لا يعرف الكبر.

ولعل في قوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}، إشارة إلى أن الآيات لم تغب، وأن الدهشة لم تفارق الكون. ولكن العيون التي طالما تحدقت في الشاشات، وتاهت في زحمة البيانات، قد نسيت كيف تنظر إلى الأفق البعيد، وكيف تغوص في أعماق النفس، بعين الدهشة التي تسبق اليقين، وبقلب يرهف السمع للحقيقة التي لا تعلن نفسها إلا لمن يتوقف ليرى.

قيل قديماً إن الدهشة هي أم الفلسفة، وأنها الشرارة التي أيقظت وعي الإنسان، ودفعته إلى التساؤل عن ذاته وعن العالم. لم تكن مجرد انفعال عابر، بل كانت البنية المستمرة للفعل التأملي، ذلك السؤال المفتوح الذي لا يكف عن النبض: لماذا هناك وجود بدلاً من لا شيء؟ إنها التي تفتح الباب أمام التفكير العميق. لكن ماذا يحدث حين تغيب هذه الدهشة؟ حين يصير العالم معروضاً أمامنا في لوحة مضيئة لا تتوقف عن التحديث، وحين يصير كل شيء مفسراً، أو قابلاً للتفسير، قبل أن يتشكل السؤال في أذهاننا؟

نعيش اليوم في زمن تتدفق فيه المعلومات إلينا من كل حدب وصوب، بسرعة لا تترك للذهن فرصة للتوقف والتأمل. يقضي الفرد ساعات متواصلة أمام الشاشات، في تغذية مستمرة لا تعرف الكلل. وما كان بالأمس القريب حدثاً مذهلاً يثير الدهشة ويستحوذ على انتباه الناس لأيام وأسابيع، صار اليوم يتصدر واجهات الأخبار لبضع ساعات، ثم يندثر في غياهب الخوارزميات وكأنه لم يكن. كم مرة نقف اليوم أمام ظاهرة ما متسائلين، حائرين، منبهرين؟ أم أننا أصبحنا نستهلك المعلومات بشراهة، لكننا نشعر بأننا أقل تغذية؟

المفارقة أن وفرة المعطيات لم تؤدِّ إلى زيادة المعرفة بقدر ما أدت إلى ما يمكن وصفه بـ»إدمان التوقع». صار العقل البشري، تحت وطأة هذا الفيض المتدفق، ينتقل من حالة الانبهار إلى حالة الفحص والتقييم السريعين. لم نعد نندهش للشيء ذاته، بل نسرع في تصنيفه: هل هو حقيقي أم مفبرك؟ هل هو جديد أم مُعاد تدويره؟ هذه الآلية القاسية تقتل لحظة الرهبة قبل أن تولد، وتحول الدهشة إلى مجرد رد فعل شرطي تجاه سرعة الاستجابة، لا تجاه عمق المضمون.

هذا ليس مجرد وصف شعوري، بل واقع نفسي ومعرفي بدأ يُمنح أسماءً عديدة: الإرهاق الرقمي، الضباب البياناتي، التخدير البصري. إنه أشبه بنظام يغرق في فيضانه، حيث يؤدي الطوفان الساحق من المعلومات، الكثير منها منخفض القيمة ومتكرر، إلى إرهاق معرفي عميق، وسخرية، وفي النهاية إلى انفصال وجودي. ففي غياب المسافة التأملية، تتحول الدهشة من أداة معرفية إلى عبء نفسي، ومن ثم نصمت الأسئلة الكبرى ليحل محلها الضجيج الأبيض.