لم تعد الساحة السياسية الإيطالية تحتمل بساط البراغماتية الذي تحاول رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني مده مع بروكسل؛ فبينما ينشغل العالم بأزمات الشرق الأوسط الساخنة، فجّر الجنرال المتقاعد روبرتو فاناتشي زلزالاً سياسياً في روما بإعلان حزبه الجديد «المستقبل الوطني»، ليتجاوز عتبة الـ5% في استطلاعات الرأي مهدداً الائتلاف الحاكم بالانفجار من أقصى اليمين الراديكالي.
هذا الصعود المفاجئ للجنرال المتمرد لم يعد مجرد شأن داخلي، بل تحول إلى فتيل مواجهة يهدد مباشرة وجود ومستقبل الجاليات العربية والإسلامية، ويضع استثمارات العواصم العربية وشراكاتها الإقليمية كـ«خطة ماتيي» في دائرة اختبار حرج ومراجعة استراتيجية لـ»إدارة المخاطر» طويلة المدى.
انفصل الجنرال الإيطالي المتقاعد وعضو البرلمان الأوروبي، روبرتو فاناتشي، عن حزب «الرابطة»، وقام رسمياً بتأسيس حزبه الجديد الحامل لاسم «المستقبل الوطني». وعقد الحزب مؤتمره التأسيسي في العاصمة روما ليتحول إلى قوة سياسية قائمة بذاتها.
1- الانطلاق السريع والنمو في الاستطلاعات
وصف وسائل الإعلام الإيطالية والأوروبية صعود الحزب بـ«الزلزال السياسي»؛ نظراً للسرعة الكبيرة التي يكتسب بها شعبية. عدد الأعضاء: أعلن فاناتشي أن الحزب نجح في جذب أكثر من 100 ألف عضو مسجل في فترة وجيزة جداً.
الاستطلاعات الجماهيرية: أظهرت أحدث استطلاعات الرأي مثل معهد Youtrend وSWG صعود الحزب وتخطيه حاجز 5.6% إلى 5.9% من أصوات الناخبين. تجاوز الأحزاب التقليدية: بهذه النسبة، تفوّق حزب فاناتشي الجديد على أحزاب عريقة في الائتلاف الحاكم مثل حزب «الرابطة»، وبات يهدد بشكل مباشر الهيمنة السياسية لرئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.
انشقاقات برلمانية: نجح الحزب في جذب عدد من النواب البرلمانيين الذين انشقوا عن أحزاب اليمين الأخرى للانضمام إليه.
2- التهديد بترحيل المهاجرين وإلغاء الجنسية.
يتبنى فاناتشي ومسؤولو حزبه أيديولوجية يمينية متطرفة وقومية متشددة جداً. وفيما يتعلق بالمغتربين واللاجئين، يركز برنامج الحزب علناً على (رفع شعار «إيطاليا للإيطاليين» ورفض سياسات دمج المهاجرين.
- فرض قيود صارمة للغاية تمنع منح الجنسية الإيطالية لأبناء دول العالم الثالث
- تبني سياسات «إعادة الهجرة»، وهو مصطلح سياسي يعني الترحيل الجماعي للاجئين والمهاجرين غير الشرعيين).
اتهام حكومة ميلوني الحالية بأنها أصبحت «ناعمة» وتخلت عن وعودها المتشددة بشأن السيطرة على الحدود. باختصار، الخبر لا يتحدث عن زلزال أرضي مدمر في إيطاليا، بل عن هزة سياسية حقيقية أحدثها هذا الجنرال المتقاعد، مما يشكل بالفعل حالة من القلق والتهديد المباشر لملايين المهاجرين واللاجئين في البلاد نتيجة لأجندته الطاردة للأجانب.
تجلّى رد فعل رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، بالهجوم السياسي الحاد، والتشكيك في الهوية اليمينية لحزب الجنرال فاناتشي، واتهامه علناً بخدمة مصالح اليسار. فبصفتها زعيمة قوية وواقعية، لم تقف ميلوني مكتوفة الأيدي أمام هذا التهديد الذي يستهدف تفتيت كتلتها الناخبة اليمينية في انتخابات عام 2027، وجاءت تحركاتها وردود فعلها مقسمة على عدة مستويات:
كسرت ميلوني صمتها ووجهت هجوماً لاذعاً ومباشراً لأعضاء حزب «المستقبل الوطني» (نواب فاناتشي) داخل قاعة مجلس النواب الإيطالي. وقالت لهم بلهجة حادة: «أنتم لستم اليمين الحقيقي، أنتم تخدمون مصالح اليسار».
أحرجت ميلوني نواب الحزب الجديد علناً برفضها لادعاءاتهم بحماية الهوية الإيطالية، مذكّرة إياهم بأنهم صوّتوا 6 مرات ضد منح الثقة لحكومتها المحافظة في البرلمان، بالتوافق مع أحزاب المعارضة اليسارية (مثل الحزب الديمقراطي وحركة النجوم الخمسة)، معتبرة أن من يسعى لإسقاط حكومة اليمين لا يدافع عن مصلحة إيطاليا.
تتعمد ميلوني حالياً إبقاء حزب «المستقبل الوطني» على مسافة بعيدة وفرض عزلة سياسية مؤقتة عليه. وترفض الاعتراف بفاناتشي كشريك ائتلافي، بل تعتبره عنصراً يهدف إلى إخلال التوازن داخل الائتلاف الحكومي الحالي (الذي يضم حزبها «إخوة إيطاليا»، وحزب «رابطة الشمال»، وحزب «فورزا إيطاليا»).
4- كواليس الاستعداد لـ«البديل البراغماتي»
بينما تهاجمه ميلوني في العلن للحفاظ على هيبة حكومتها، تُدرك من وراء الكواليس (بحسب المحللين السياسيين والتقارير الإيطالية) حجم المأزق؛ حيث إن صعود فاناتشي يسحب البساط من تحت أقدام حلفائها مثل «ماتيو سالفيني».
الخطة البديلة: لمحت قيادات من حزب ميلوني («إخوة إيطاليا») إلى أنهم قد يضطرون مستقبلاً، وقبيل الانتخابات المقررة، إلى مقارنة السياسات وعقد صفقة اضطرارية أو تحالف مع حزب الجنرال إذا استمر في الصعود، لضمان البقاء في السلطة ومنع تشتت أصوات اليمين.
إجمالاً، استغلت ميلوني لغتها السياسية القوية لتصوير حزب فاناتشي كحزب «مخرّب» لا يملك ولاءً حقيقياً لليمين، في محاولة منها لتحجيم سرعة انطلاقه قبل أن يبتلع الأحزاب الشريكة لها في الحكم.
ثالثاً: موقف روبرتو فاناتشي من الاتحاد الأوروبي
لا يدعو روبرتو فاناتشي إلى خروج إيطاليا الفوري من الاتحاد الأوروبي لكنه يتبنى موقفاً متشدداً ومتشككاً للغاية يسعى إلى هدم وتفكيك السياسات الحالية للاتحاد من الداخل. يرى فاناتشي أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل تسلب إيطاليا سيادتها وقرارها الوطني. وتتلخص رؤيته ومواقفه تجاه الاتحاد في النقاط التالية:
1- معارضة «الأجندات المشتركة» وهجومه على بروكسل
في خطاباته الرسمية وآخرها في المؤتمر التأسيسي لحزب «المستقبل الوطني»، يهاجم فاناتشي بشدة ما يسميه الأجندات المفروضة من الاتحاد الأوروبي، ويعارض علناً:
- الصفقة الخضراء: يراها قيوداً بيئية تدمر الاقتصاد والشركات الإيطالية.
- الدين الأوروبي المشترك وسياسات التقشف: يرفض أي وصاية مالية على الموازنة الإيطالية.
- قوانين الهجرة واللجوء الموحدة: يطالب بأن تكون السيطرة على الحدود قراراً سيادياً إيطالياً خالصاً.
بدلاً من الدعوة لـ«الطلاق» التام من الاتحاد، يفضل فاناتشي إستراتيجية «إعادة صياغة أوروبا»؛ فهو يشغل منصب عضو في البرلمان الأوروبي ويسعى، رفقة حلفائه من أحزاب اليمين المتطرف الأوروبي، إلى تقليص صلاحيات المفوضية الأوروبية وتحويل الاتحاد إلى مجرد «تحالف دول ذات سيادة كاملة» بدلاً من كونه اتحاداً فيدرالياً يتخذ قرارات فوق- وطنية.
مؤشراً على توجهاته، انضم فاناتشي وحزبه الجديد إلى مجموعة «أوروبا الأمم السيادية» (ESN) داخل البرلمان الأوروبي. وهي الكتلة البرلمانية الأكثر راديكالية وتشدداً وتشكيكاً في الاتحاد الأوروبي (تضم أحزاباً مثل حزب البديل من أجل ألمانيا - AfD ) وذلك بعد أن تم طرده من مجموعة «وطنيون من أجل أوروبا» الأقل تشدداً.
هذا الملف هو أحد أبرز أسباب صراعه مع رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني. فبينما تبنت ميلوني بعد وصولها للسلطة نهجاً واقعياً وبراغماتياً، وأصبحت شريكة مقربة من بروكسل ورئيسة المفوضية الأوروبية (أورسولا فون دير لاين) لضمان تدفق المساعدات المالية لإيطاليا، يصف فاناتشي هذا النهج بـ«التنازلات والمساومات الفاشلة»، ويقدم نفسه للناخب الإيطالي كبديل لا يساوم على السيادة الإيطالية أمام بروكسل.