في مشهد سياسي غير مسبوق، حملت نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي الـ26 تحولات جوهرية أعادت رسم خريطة القوى؛ ففي ظل رفض شعبي عارم لسياسات بنيامين نتنياهو، تدفقت الجماهير نحو صناديق الاقتراع لتسجل أعلى نسبة مشاركة انتخابية منذ عام 1999 بلغت 77.7% هذا الحراك الاستثنائي، مدفوعاً بوعي الشارع العربي الذي حقق صعوداً تاريخياً بـ19 مقعداً برلمانياً، أحدث زلزالاً انتزع صفة «الرقم الصعب» وجرد اليمين من أغلبيته المطلوبة. وتتفكك هذه القراءة السياسية لتسليط الضوء على سيناريو «تحالف الضرورة» الناشئ بين قادة الجيش السابقين في المعارضة والكتلة العربية لإقصاء نتنياهو، مستندين إلى تراجع حجة «الخطر الوشيك» مع هدوء جبهة القصف الإيراني المباشر منذ مارس الماضي، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام مرحلة جديدة تعيد صياغة مستقبلياً لجبهات الصراع المشتعلة في غزة ولبنان.
لم ينتهِ فحص وفرز الأصوات بالكامل بشكل رسمي، ولكن تحديثات لجنة الانتخابات المركزية تؤكد تخطي نسبة الفرز حاجز الـ 91.6% من إجمالي الأصوات بحلول صباح اليوم الخميس 29 أكتوبر 2026.
انتهت اللجنة تماماً من فحص كل صناديق الاقتراع العادية بالبلاد، وانتقلت لعملية فحص «المظاريف المزدوجة» ( أصوات الجنود، الدبلوماسيين، السجناء، والمرضى) والتي يتراوح عددها بين 430 ألفاً إلى 650 ألف صوت. من المتوقع اكتمال الفحص بالكامل والوصول إلى النتيجة شبه النهائية مساء اليوم الخميس.
آخر المؤشرات لتوزيع المقاعد (120 مقعداً في الكنيست) عقب فحص الـ91.6% تُظهر ثبات الجمود السياسي:
* معسكر بنيامين نتنياهو (اليمين): يسيطر على 53 مقعداً يقوده حزب «الليكود» بـ26 مقعداً.
* معسكر غادي آيزنكوت (المعارضة): يمتلك 48 مقعداً يقوده حزب «ياشار!» بـ21 مقعداً.
* الأحزاب ذات الأغلبية العربية: متمسكة بذروتها التاريخية برصيد 19 مقعداً ( 12 مقعداً للقائمة المشتركة، و7 مقاعد لقائمة «رعَم»).
1 - ما الذي يُنتظر من فحص «المظاريف المزدوجة»؟
تخضع هذه المظاريف لتدقيق أمني وإداري مضاعف عبر مطابقة الهويات لمنع تكرار التصويت. ويرى الخبراء وفقاً لصحيفة هآرتس وتايمز أوف إسرائيل أن أصوات الجنود والشباب قد تميل لصالح أحزاب اليمين أو كتل معينة، مما قد يؤدي لتعديل طفيف يتراوح بين مقعد أو اثنين بين الأحزاب، لكنها فرصة ضئيلة للغاية لتغيير التوازن العام أو كسر مأزق كتلة الـ61 مقعداً المطلوبة لتشكيل الحكومة. وبالتالي فالانتخابات قد حسمت بالفعل ولن يجد جديد بعد فرز المظاريف المزدوجة.
2 - دور رئيس الدولة: رمانة الميزان في مأزق التكليف
وسط هذا الجمود البرلماني وغياب أغلبية الـ61 مقعداً عن معسكرَي نتنياهو وآيزنكوت، يتسلط الضوء على رئيس الدولة (إسحاق هرتسوغ) الذي تنتظره مشاورات شاقة وملزمة دستورياً فور صدور النتائج النهائية في 4 نوفمبر. لن يقتصر دور هرتسوغ على مجرد منح كتاب التكليف بالشكل البروتوكولي المعتاد، بل سيمتد ليكون «صانع تسويات» أو ضاغطاً باتجاه خيارات صعبة قد تشمل فرض حكومة وحدة وطنية أو الالتفاف على الشلل البرلماني، ما يجعله اللاعب الأبرز في تحديد ما إذا كانت إسرائيل تتجه نحو ائتلاف هش أو نحو حتمية الانتخابات المبكرة.
تُجمع التحليلات السياسية الحالية في الصحف العبرية والعالمية على أن الأحزاب العربية شكلت المفاجأة الأكبر في هذه الانتخابات، وتحولت إلى «رقم صعب» يملك القدرة على تغيير الخريطة السياسية الإسرائيلية بالكامل. من أبرز ملامح هذا المشهد وفقاً للمعطيات الأخيرة:
أ- القوة الترجيحية: حصد القوائم العربية لـ19 مقعداً (وهو تمثيل تاريخي غير مسبوق) جرّد معسكر بنيامين نتنياهو من فرصة الحصول على الأغلبية (61 مقعداً)، حيث توقف معسكره عند 53 مقعداً فقط حتى الآن.
ب- انقلاب السحر على الساحر: طالما اعتمدت الاستراتيجيات الانتخابية السابقة لليمين على التحذير من تصويت المواطنين العرب لحشد أصوات اليمين، إلا أن الرد جاء هذه المرة عبر نسبة مشاركة عربية قياسية بلغت 77.7% مما أدى لإعادة صياغة موازين القوى.
ج- معضلة المعارضة أيضاً: هذا الصعود التاريخي لا يضع نتنياهو في مأزق فحسب، بل يضع المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت أمام اختبار حقيقي؛ حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن أغلبية جمهور المعارضة يؤيد التحالف مع العرب لإسقاط نتنياهو، في حين ما يزال القادة السياسيون يترددون في وضع شروط الشراكة.
4 -هل تنجح شراكة الاحزاب المعارضة والعربية
الكثير من المحللين السياسيين والشارع الإسرائيلي المعارض، الذين يرون في بقاء بنيامين نتنياهو خطراً ممتداً على المستويين الداخلي والخارجي؛ يرغبوا في نجاح شراكة المعارضة مع الاحزاب العربية لإقصاء نتنياهو ومع ذلك، يرى خبراء آخرون أن تفكيك هذا المأزق السياسي يواجه تعقيدات بالغة. وتتوزع الآراء والتحليلات حول فرص نجاح هذا التفاوض والسيناريوهات المتوقعة على النحو التالي:
أ- أسباب تدعم نجاح المفاوضات وإسقاط نتنياهو
* الرغبة الشعبية الجارفة في التغيير: أظهرت استطلاعات الرأي (مثل استطلاع مركز أكورد) أن 61% من ناخبي المعارضة يؤيدون بوضوح التحالف مع الأحزاب العربية لإنهاء حكم اليمين المتطرف، مما يشكل ضغطاً شعبياً كبيراً على القادة السياسيين لتجاوز الخلافات الأيديولوجية.
* البراغماتية السياسية: يدرك قادة المعارضة (مثل غادي آيزنكوت) وقادة الأحزاب العربية (مثل منصور عباس وأحمد الطيبي) أن هذه الفرصة التاريخية قد لا تتكرر، وأن الفشل في التوصل إلى اتفاق سيعني منح نتنياهو قبلة حياة سياسية للاستمرار في السلطة كرئيس حكومة تصريف أعمال.
* الخطر المشترك: يتفق الطرفان على أن استمرار السياسات الحالية يهدد النسيج الاجتماعي الداخلي (بسبب تصاعد الجريمة وإهمال المجتمع العربي) ويقوض العلاقات الدولية لإسرائيل.
ب- العقبات التي قد تفشل المفاوضات وتقود لانتخابات جديدة
* معضلة الهوية والخطوط الحمراء: الشروط الاستباقية التي وضعها آيزنكوت (مثل إجبار الأحزاب العربية على الاعتراف بالهوية اليهودية للدولة) تشكل حرجاً سياسياً كبيراً للقائمة المشتركة أمام ناخبيها، مما قد يجعل التوافق على صيغة مشتركة أمراً معقداً للغاية.
* المزايدات الحزبية: يخشى قادة المعارضة من الوسط واليمين الليبرالي أن يُتهموا من قِبل ماكينة نتنياهو الإعلامية بـ «التحالف مع أطراف لا تدعم الدولة»، وهو ما قد يهدد مستقبلهم السياسي في أي انتخابات قادمة.
* خيار الانتخابات المبكرة المتكررة: إذا تعنت كل طرف في شروطه، فقد يفضل آيزنكوت الذهاب إلى جولة انتخابات جديدة (كنيست 27) على تقديم تنازلات جوهرية للأحزاب العربية، وهو سيناريو مألوف في السياسة الإسرائيلية لإرهاق الخصوم.
يظل المشهد مفتوحاً على كل الاحتمالات، وستكون الأسابيع القليلة القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كانت «المصلحة المشتركة في إقصاء نتنياهو» ستتفوق على الخلافات التاريخية العميقة بين المعارضة والكتلة العربية
ثانيا: نتنياهو واختراق صفوف المعارضة وشراء الوقت الايراني