في الخامس عشر من مايو من كل عام، يستحضر الشعب الفلسطيني واحدة من أكثر المحطات مأساوية في تاريخه الحديث، وهي ذكرى النكبة الفلسطينية التي بدأت عام 1948، ولا تزال تداعياتها السياسية والإنسانية مستمرة حتى اليوم، في ظل استمرار الاحتلال وسياسات التهجير والاستيطان والحروب المتعاقبة على الأراضي الفلسطينية.وتأتي الذكرى الـ78 للنكبة هذا العام في وقت يواجه فيه قطاع غزة حربًا مدمرة منذ أكتوبر 2023، وسط مشاهد القصف والدمار والنزوح التي أعادت إلى الواجهة ذاكرة التهجير القسري التي عاشها الفلسطينيون قبل عقود.وقال الدكتور زاهر البنا، الباحث في شؤون اللاجئين الفلسطينيين، إن النكبة لم تكن مجرد حدث تاريخي عابر، بل مثلت “أكبر عملية تطهير عرقي شهدها القرن العشرون بحق الشعب الفلسطيني”، بعد تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم، وتدمير ما يزيد على 530 قرية ومدينة فلسطينية لإقامة الكيان الإسرائيلي على أنقاضها.وأضاف أن الفلسطينيين، منذ تلك اللحظة، تحولوا إلى شعب لاجئ يحمل ذاكرة الوطن جيلًا بعد جيل، ويتمسك بحق العودة باعتباره حقًا تاريخيًا وقانونيًا لا يسقط بالتقادم.القرار 194.. مرجعية قانونية لحق العودةوأشار البنا إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت في ديسمبر 1948 القرار رقم 194، الذي نص بشكل واضح على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم، موضحًا أن هذا القرار أصبح مرجعية قانونية وسياسية أساسية لقضية اللاجئين الفلسطينيين.وأكد أن المجتمع الدولي، رغم مرور 78 عامًا على النكبة، فشل في إلزام الاحتلال بتنفيذ هذا القرار، في الوقت الذي استمرت فيه سياسات التهجير والاستيطان ومحاولات طمس الهوية الفلسطينية.الأونروا.. شاهد دولي على قضية اللاجئينوأوضح الباحث الفلسطيني أن الأمم المتحدة أنشأت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” عام 1949 لتقديم الخدمات الإنسانية للاجئين الفلسطينيين، حيث بدأت الوكالة عملها رسميًا في مايو 1950، وما زالت تتحمل مسؤولياتها تجاه ملايين اللاجئين في قطاع غزة والضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا.وبيّن أن الأونروا تشرف حاليًا على 58 مخيمًا فلسطينيًا معترفًا بها رسميًا، مؤكدًا أن هذه المخيمات تحولت، رغم ظروف اللجوء الصعبة، إلى “عنوان للهوية الوطنية الفلسطينية وشاهد حي على استمرار قضية اللاجئين”.غزة 2023.. امتداد مباشر للنكبةوأكد البنا أن ما يتعرض له قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 يمثل امتدادًا مباشرًا لمشروع التهجير الذي بدأ منذ نكبة 1948، مشيرًا إلى أن الحرب الأخيرة شهدت دمارًا واسعًا واستهدافًا للأحياء السكنية والمدارس والمستشفيات ومراكز الإيواء، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين.وأضاف أن الاحتلال يسعى، من خلال الحرب والحصار، إلى دفع الفلسطينيين نحو الهجرة القسرية، إلا أن الفلسطينيين في غزة قدموا نموذجًا جديدًا في الصمود والثبات، ورفضوا التخلي عن أرضهم رغم المجازر والجوع والدمار.وأوضح أن “البقاء على الأرض أصبح أحد أهم أشكال المقاومة الفلسطينية”، مؤكدًا أن معركة غزة تجاوزت حدود القطاع، وأصبحت معركة دفاع عن الوجود الفلسطيني وحق العودة والرواية الوطنية الفلسطينية.المخيم الفلسطيني.. ذاكرة وطن لا تموتوأشار البنا إلى أن الاحتلال حاول على مدار عقود إنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر الحروب والمشاريع السياسية ومحاولات تقليص دور الأونروا، إلا أن المخيمات الفلسطينية بقيت حاضرة باعتبارها رمزًا للنكبة وحق العودة.وأضاف أن المخيم الفلسطيني لم يعد مجرد تجمع سكاني، بل تحول إلى “ذاكرة وطن ورسالة سياسية تؤكد تمسك اللاجئ الفلسطيني بحق العودة إلى مدينته وقريته الأصلية”.النكبة مستمرة.. والعودة باقيةوشدد الباحث الفلسطيني على أن الشعب الفلسطيني، رغم عقود اللجوء والمعاناة، ما زال متمسكًا بحقوقه الوطنية والتاريخية، وفي مقدمتها حق العودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.وأكد أن النكبة لم تنجح في كسر إرادة الفلسطيني، بل عززت تمسكه بأرضه وهويته الوطنية، مضيفًا أن الفلسطينيين يؤكدون في الذكرى الـ78 للنكبة أن “غزة لن تنكسر، وأن فلسطين ستظل حاضرة في الوعي والذاكرة حتى الحرية والعودة والاستقلال”.