انتهى زمن التحفظ لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) وأطلقت الشركة العنان لخططها. فقد قالت عدة مصادر تجارية إن الشركة أصبحت أكثر جرأة ومرونة منذ أن تسببت حرب إيران في تعطيل الصادرات، وفي ظل سعي الإمارات إلى تعظيم الاستفادة من مواردها للحد الأقصى بعد انسحابها من منظمة البلدان المصدرة للبترول ( أوبك) في مايو أيار الماضي.ويقول متعاملون ومطلعون على القطاع إن أدنوك بدأت في الأشهر القليلة الماضية بيع شحنات فورية من خلال عطاءات، فضلا عن استقطاب عملاء جدد وإظهار مرونة غير مسبوقة في الشروط والأحكام، بل وفي التعامل مع شركات تجارة كانت تتجنبها عادة.ولجأت أدنوك لنظام نقل مكوكي لإخراج شحنات الخام عبر مضيق هرمز، حيث تقلصت حركة الشحن بشدة بسبب الحرب وتعرضت سفنها لهجمات، وتعمل أيضا على زيادة أسطولها للشحن البحري.تغير دائموإذا ثبت أن تحول أدنوك يشكل تغيرا دائما وليس مجرد حل مؤقت في زمن الحرب، فربما يكون أحد أكبر التحولات في تسويق النفط من منطقة الخليج منذ عشرات السنين، وهو أمر من شأنه أن يعيد تشكيل التدفقات من الشرق الأوسط إلى آسيا، وهي المستهلك الرئيسي، مع ما يترتب على ذلك من آثار على مصافي التكرير الآسيوية ومنافسي أدنوك في المنطقة.وقال آدي إمسيروفيتش وهو متعامل مخضرم سابق في النفط ومدير في شركة (ساري كلين إنرجي) للاستشارات «تشعر أدنوك بتحرر تام من خلال انسحابها من أوبك»، إذ لم تعد تواجه قيودا على الإنتاج والتسعير.وأضاف «تحررت أيديهم أخيرا، ويمكنكم أن تروا ما يفعلونه بالعطاءات وخيارات التسعير».**media[8052554]**ويبدو أن استراتيجية أدنوك تؤتي ثمارها، إذ بدأت الإمارات في اكتساب حصة أكبر في السوق الآسيوية. وتظهر بيانات شركة كبلر أن حصة الإمارات بلغت 32 بالمئة و27 بالمئة من صادرات النفط من الشرق الأوسط إلى المنطقة في شهري يونيو حزيران ويوليو تموز على الترتيب. وفي العام الماضي، بلغت حصة الإمارات 20 بالمئة من صادرات النفط من الشرق الأوسط إلى آسيا.إمدادات موثوقةفي ظل عضويتها بأوبك، بلغ آخر معدل إنتاج مستهدف للإمارات في إطار المنظمة حوالي 3.5 مليون برميل يوميا، لكن وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن يصل الإنتاج إلى 5.2 مليون برميل يوميا في 2027.وتؤكد أدنوك أن استراتيجيتها لم تتغير. وقال متحدث باسم الشركة «نركز على نمو ذكي منضبط في الإمارات وعلى المستوى الدولي، ونضمن إمدادات موثوقة ونبني شراكات طويلة الأجل تخلق قيمة لعملائنا وللإمارات ولمساهمينا».وتجلى طموح أدنوك الجريء في أبريل نيسان عندما شغلت نظام نقل مكوكي للشحنات عبر مضيق هرمز، مما مكنها من الحفاظ على المبيعات الفورية.وأعلنت أدنوك أن 15 سفينة تابعة لها تعرضت لهجمات في أثناء عبورها المضيق، ما أسفر عن مقتل أحد أفراد الأطقم وإصابة 20 آخرين.وأعلنت الإمارات أن سفينة أخرى تابعة لأدنوك تعرضت لهجوم يوم السبت.وقالت أدنوك إنها تعمل عن كثب مع السلطات المختصة وتتخذ جميع التدابير اللازمة لحماية موظفيها وأصولها وعملياتها، مع تلبية متطلبات العملاء قدر الإمكان.عطاءات لمبيعات فوريةعلى مدى عشرات السنين، باع منتجون في منطقة الخليج النفط الخام مباشرة للمستهلكين النهائيين عبر عقود طويلة الأجل، مستخدمين أسعار البيع الرسمية التي تحددها شركات الإنتاج الحكومية، بينما تتولى شركات التكرير ترتيب عمليات الشحن. وتجنبوا، في معظم الأحيان، التعامل مع السوق الفورية.وقلبت حرب إيران ذلك رأسا على عقب، إذ لم تتمكن شركات التكرير التي تشتري النفط من العثور على ناقلات أو لم ترغب في دفع أسعار تأجير مرتفعة، وأصبحت أسعار البيع الرسمية في يونيو حزيران وجزء من يوليو تموز أعلى بكثير من الأسعار الفورية عندما ضربت تخمة من معروض النفط الخام السوق.وقال متعاملون إن هذا الاضطراب دفع أدنوك إلى بدء عمليات بيع فورية واستخدام أسطولها لنقل الشحنات إلى سفن قبالة ميناء الفجيرة الإماراتي وصحار العماني والساحل الغربي للهند وحتى إلى ماليزيا على مسافة أبعد.وتشير إحصاءات رويترز إلى أن أدنوك باعت منذ يونيو حزيران ما لا يقل عن 94 مليون برميل من النفط للتسليم حتى أكتوبر تشرين الأول عبر سبعة عطاءات.وسارت شركات إنتاج أخرى في منطقة الخليج، من بينها أرامكو ومؤسسة الكويت وسومو، على دربها.ولوضع هذا الحجم في سياقه، تشير بيانات كبلر إلى أن الإمارات صدرت 198 مليون برميل من النفط الخام في أول شهرين من 2026، أي قبل الحرب، بما في ذلك النفط المملوك لشركاء أدنوك المساهمين في مشاريع أو أصول مشتركة.وللمساعدة في توصيل شحناتها، زادت أدنوك أيضا أسطولها، إذ اشترت إحدى شركاتها التابعة مؤخرا 11 سفينة مقابل 1.3 مليار دولار، بما في ذلك ست ناقلات نفط خام عملاقة تستطيع كل واحدة منها حمل مليوني برميل.شروط مرنةتقول ثلاثة مصادر مطلعة إن أدنوك أبدت أيضا مرونة مع عملائها، إذ سمحت بالبيع من خلال مفاوضات خاصة بالإضافة إلى العطاءات، وأدخلت تغييرات على شروط وأحكام البيع الفوري.فعلى سبيل المثال، يقول متعاملون إن أدنوك، التي كانت تبيع النفط عادة على أساس التسليم على ظهر السفينة، وافقت في الآونة الأخيرة على التسليم في نقاط النقل من سفينة إلى سفينة وكذلك في موانئ أخرى.وفي 31 يوليو تموز، قالت أدنوك إنها ستنتقل اعتبارا من أول نوفمبر تشرين الثاني من آلية التسعير الحالية القائمة على بورصة إنتركونتيننتال أبوظبي للعقود الآجلة باستخدام عقد مربان الآجل والتي تحدد سعر النفط الخام قبل شهرين من التحميل، إلى آلية تسعير شهرية تعتمد على معيار بلاتس دبي، بالإضافة إلى فرق سعر تعلنه الشركة في الشهر الذي يسبق شهر التسليم المستهدف.ويجعل هذا التحول الأسعار أكثر ارتباطا بشهر تحميل الشحنات.وقال المتحدث باسم أدنوك «تشهد أدنوك زيادة في الاهتمام بأنواع الخامات لدينا، وخاصة من شركات التكرير والتجارة التي تفضل التسعير الفوري في السوق نظرا للتقلبات الحالية».