العلاقات الإنسانية معقدة وقابلة للتغير؛ نظرًا إلى تغير النفس البشرية، وهي طبيعة متأصلة فيها، وغالبًا ما تكون هذه التقلبات فيما دون المبادئ، التي تمثّل القاعدة والمعيار الذي تتمايز به العقول. ولذلك، فإن الحذر من المبادرة في إبداء المشاعر والتعبير عنها هو نتاج طبيعي للخذلان الناشئ عن تلك التغيرات والتقلبات.
وهذا الخذلان يؤكد ويعزِّز أهمية الخُلطة الاجتماعية بين البشر، وأنه مهما تطورت التقنية، وجاءت بوسائل وتطبيقات للتواصل الرقمي، فإنه لا يُعوَّل عليها، ولا يمكن أن تكون بديلًا عن الواقع. ولذلك نلاحظ أن كثيرًا من النبلاء، الذين ترسبت الخيبات في نفوسهم واختلط أثرها بطبيعتهم النقية، أصبحوا يفضلون اللقاء وجهًا لوجه لإبداء مشاعرهم الراقية الصادقة؛ ليكونوا أكثر انبساطًا. أو، على الأقل، يلجؤون إلى المحادثات الفردية الخاصة من خلال العوالم الافتراضية؛ لأن ما يحركهم هو قيمهم التي يفخرون بها، ولا يستطيعون الفكاك منها لتجذرها في نفوسهم.
أما من يتفاعلون أمام الملأ مع الآخرين من المخذولين، سواء في واقعهم أو في العالم الرقمي من خلال وسائل التواصل، فقد صقلتهم خيبات العلاقات، فأصبحوا أكثر دقة في اختيار تفاعلاتهم، رغم توجسهم، وأحيانًا يقعون مجددًا في الخذلان على الرغم من شدة حرصهم!
والعجيب ليس في رد فعل النبلاء وأصحاب الأرواح الراقية، بل في فئة -وهم قلة- من أولئك الذين تنفر منهم مكارم الأخلاق ويلفظهم السمو الإنساني. إنهم أقوام قلوبهم مريضة، وشعارهم في الحياة، كما يقال: «أنا ومن بعدي الطوفان». فمصالحهم أولى ومقدمة على كل شيء، حتى غلبت عليهم النفعية، وتمكن من نفوسهم منطق المصلحة الذي سلب من قلوبهم شيئًا من الإنسانية، فأضعف فيهم قيم الحب والتسامح واللطف وحسن التعامل والمعشر.
كثير من الناس مبادرون ولطفاء، ولكن ما يثير الاستغراب أولئك الذين صنعوا الخيبات وجرَّعوا الآخرين مرارتها حتى ترسبت في نفوسهم؛ يخذلون الآخرين بسوء تعاملهم، فيجعلونهم ينفرون منهم ويحذرونهم، ثم يتعجبون بعد ذلك مرددين:
أين أنتم من الخير الذي تتحدثون عنه حين كان بحضرتكم وبين أيديكم؟ وأين أنتم من اللطفاء المبادرين حين بادروا بلطفهم تجاهكم؟
للأسف، لم يكتشف هؤلاء قيمة المبادرة الصادقة، وأثر اللطف والكلمة الطيبة والتفاعل الصادق، إلا حين حُرموا منها، وتوقف النبلاء عن تقديمها بعدما خُذلوا.
وهنا تبرز تعقيدات النفس البشرية؛ فالنبلاء يبقون على قيمهم ولا يتغيرون، ومع ذلك فإنهم، بفضل وعيهم، يدركون أكثر من غيرهم كيف يتعاملون مع الخيبات. هم لا يغيبون، ولا يغيب نبلهم، بل يديرون ظهورهم ويتوارون قليلًا، بمزيد من التأني مقارنة بما كانوا عليه من قبل، منتظرين من يناديهم بلطف، دون أن يطعنهم من الخلف.
العلاقات الإنسانية معقدة وقابلة للتغير؛ نظرًا إلى تغير النفس البشرية، وهي طبيعة متأصلة فيها، وغالبًا ما تكون هذه التقلبات فيما دون المبادئ، التي تمثّل القاعدة والمعيار الذي تتمايز به العقول. ولذلك، فإن الحذر من المبادرة في إبداء المشاعر والتعبير عنها هو نتاج طبيعي للخذلان الناشئ عن تلك التغيرات والتقلبات.
وهذا الخذلان يؤكد ويعزِّز أهمية الخُلطة الاجتماعية بين البشر، وأنه مهما تطورت التقنية، وجاءت بوسائل وتطبيقات للتواصل الرقمي، فإنه لا يُعوَّل عليها، ولا يمكن أن تكون بديلًا عن الواقع. ولذلك نلاحظ أن كثيرًا من النبلاء، الذين ترسبت الخيبات في نفوسهم واختلط أثرها بطبيعتهم النقية، أصبحوا يفضلون اللقاء وجهًا لوجه لإبداء مشاعرهم الراقية الصادقة؛ ليكونوا أكثر انبساطًا. أو، على الأقل، يلجؤون إلى المحادثات الفردية الخاصة من خلال العوالم الافتراضية؛ لأن ما يحركهم هو قيمهم التي يفخرون بها، ولا يستطيعون الفكاك منها لتجذرها في نفوسهم.
أما من يتفاعلون أمام الملأ مع الآخرين من المخذولين، سواء في واقعهم أو في العالم الرقمي من خلال وسائل التواصل، فقد صقلتهم خيبات العلاقات، فأصبحوا أكثر دقة في اختيار تفاعلاتهم، رغم توجسهم، وأحيانًا يقعون مجددًا في الخذلان على الرغم من شدة حرصهم!
والعجيب ليس في رد فعل النبلاء وأصحاب الأرواح الراقية، بل في فئة -وهم قلة- من أولئك الذين تنفر منهم مكارم الأخلاق ويلفظهم السمو الإنساني. إنهم أقوام قلوبهم مريضة، وشعارهم في الحياة، كما يقال: «أنا ومن بعدي الطوفان». فمصالحهم أولى ومقدمة على كل شيء، حتى غلبت عليهم النفعية، وتمكن من نفوسهم منطق المصلحة الذي سلب من قلوبهم شيئًا من الإنسانية، فأضعف فيهم قيم الحب والتسامح واللطف وحسن التعامل والمعشر.
كثير من الناس مبادرون ولطفاء، ولكن ما يثير الاستغراب أولئك الذين صنعوا الخيبات وجرَّعوا الآخرين مرارتها حتى ترسبت في نفوسهم؛ يخذلون الآخرين بسوء تعاملهم، فيجعلونهم ينفرون منهم ويحذرونهم، ثم يتعجبون بعد ذلك مرددين:
أين أنتم من الخير الذي تتحدثون عنه حين كان بحضرتكم وبين أيديكم؟ وأين أنتم من اللطفاء المبادرين حين بادروا بلطفهم تجاهكم؟
للأسف، لم يكتشف هؤلاء قيمة المبادرة الصادقة، وأثر اللطف والكلمة الطيبة والتفاعل الصادق، إلا حين حُرموا منها، وتوقف النبلاء عن تقديمها بعدما خُذلوا.
وهنا تبرز تعقيدات النفس البشرية؛ فالنبلاء يبقون على قيمهم ولا يتغيرون، ومع ذلك فإنهم، بفضل وعيهم، يدركون أكثر من غيرهم كيف يتعاملون مع الخيبات. هم لا يغيبون، ولا يغيب نبلهم، بل يديرون ظهورهم ويتوارون قليلًا، بمزيد من التأني مقارنة بما كانوا عليه من قبل، منتظرين من يناديهم بلطف، دون أن يطعنهم من الخلف.
الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.
أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.