رهان خامنئي على «الحرس القديم» يضع إيران فوق فوهة بركان

بعد ما يقرب من ستة أشهر من الاختفاء، خرج المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي على الشعب الإيراني، بسلسلة تغييرات في القيادات العسكرية والأمنية، أظهرت حرصه على الاستعانة بالحرس القديم، أملاً في تحقيق هدفين رئيسيين، أولهما طموح القدرة على تحمل مواجهة طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، وثانيهما، وأد الاضطرابات الداخلية والمتوقع اندلاعها على وقع الضغوط الاقتصادية التي تعتزم واشنطن تكثيفها على اقتصاد يعاني الانهيار أصلاً، ما يعني أنه رهان يضع إيران على حافة الانفجار الداخلي.سر اختيار قائده وزميلهمن بين التعيينات التي أجراها خامنئي، اختيار محسن رضائي، الذي قاد الحرس الثوري الإيراني خلال حروب الثمانينات رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي، وقد كان هو نفسه قائد مجتبى خلال تلك الحرب، ومن بين المواقف المعروفة لرضائي رفضه وقف الحرب مع العراق، لكنه فشل في إقناع القيادة الإيرانية آنذاك بتمديدها بدلاً من الموافقة على وقف إطلاق النار، معتقداً أن إيران كان بإمكانها تحقيق تسوية أفضل.كما أعاد زميله في الحرب نفسها، حسين طائب، رئيس الاستخبارات السابق إلى رئاسة البسيج، وهي شبكة من القوات شبه العسكرية التي تستخدم غالباً لسحق الاحتجاجات، خصوصاً أنه قادها خلال اضطرابات عام 2009.وحسين طائب حليف مقرب لمجتبى خامنئي، حيث تعود علاقتهما إلى سنوات الحرب العراقية الإيرانية، وولد باسم حسن في البداية، لكنه غيره إلى اسم شقيقه حسين الذي قتل في الحرب خلال فترة الثمانينات، وتزامل الرجلان في «كتيبة حبيب بن مظاهر»، التي التحق بها مجتبى عام 1986 وهو في السابعة عشرة.لكن في عام 2022، قام خامنئي بإقالة طائب من رئاسة الاستخبارات، بعد أن تحول إلى شخصية مثيرة للجدل، حيث اتهمه الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، باختلاق اتهامات ضد معارضين سياسيين، والإيقاع بين المسؤولين، كما واجه طائب، المعروف أيضاً باسم «ميثم»، اتهامات بالتدخل إلى جانب مجتبى خامنئي في انتخابات 2005.كما تزامن قرار الإقالة مع تصاعد الانتقادات بعد سلسلة اختراقات واغتيالات وعمليات داخل إيران، وبعد تقارير إسرائيلية اتهمته بالتخطيط لاستهداف إسرائيليين في تركيا.رهان اقتصادي يهدد بالانفجاروبحسب مراقبين، فإن القيادة الإيرانية تراهن على ما يبدو على أنها تستطيع تحمل الألم الاقتصادي لفترة أطول، مما يمكن للرئيس ترامب تحمل تداعيات الحرب في الولايات المتحدة، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.لكن لهذه الاستراتيجية تداعيات خطرة على حوالي 90 مليون نسمة في إيران، الذين يعانون اقتصاداً منهاراً ومحاصرون بالخطر المستمر للعودة إلى حرب شاملة، في حين أدت الأوضاع إلى احتجاجات عارمة قبل الحرب، لكن قوات الأمن الإيرانية قامت بسحقها، ويظل خطر الاحتجاجات المستقبلية مع استمرار تدهور الاقتصاد كبيراً.ويؤكد ميمريان أن: «المجتمع الإيراني يشبه بشكل متزايد قدراً يغلي يمكن أن ينفجر مع القليل من التحذير»، وهذا تحديداً ما يكشف السبب الحقيقي لتعيين طائب قائداً للبسيج، وخبراته في سحق الحركات الاحتجاجية القوية.ودعا خامنئي زميله السابق طائب لتعزيز «شبكة الاستخبارات العامة» للبسيج عندما أعلن عن تعيينه الأسبوع الماضي، وهي خطوة يقول الخبراء إنها تشير إلى أن التنظيم سيكون له دور موسع في المراقبة والقمع الداخلي.ويضيف ميمريان: «قد يكون مجتبى على استعداد لتحمل مخاطر في مواجهة الولايات المتحدة تجنبها والده في سنواته الأخيرة»، لكن يبقى السؤال: «هل يمكن للمجتمع الإيراني استيعاب عواقب تلك المجازفة؟»استراتيجية جديدةإلى جانب التصعيد، يقول عبدالرسول دیوسالار، الخبير الإيراني في الجامعة الكاثوليكية في ميلانو، إن التعيينات تعكس صراع طهران للتوصل إلى نهج جديد، فمعظم المعينين، بمن في ذلك رضائي، أيدوا فكرة العودة إلى مذكرة التفاهم قصيرة الأجل التي تم توقيعها مع إدارة الرئيس دونالد ترامب في يونيو الماضي، كانت تلك الوثيقة تهدف إلى تمهيد الطريق لاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني بعد 60 يوماً انقضت الاثنين.وقال دیوسالار: «في جوهر هذا الموقف نوع من البراغماتية، ورغبة من القادة الإيرانيين في ضمان أمنهم»، وفق نيويورك تايمز.ويرى مراقبون أن مجتبى خامنئي أحاط نفسه بشخصيات تبدو مستعدة للتفاوض، إذا رأت الظروف مناسبة، كما هي مستعدة لإطالة أمد الحرب. وهذا انقطاع عن نهج والده علي خامنئي، الذي قُتل في الموجة الأولى من الضربات الأمريكية الإسرائيلية في 28 فبراير، والذي كان حذراً في المواجهات العسكرية، فعلى سبيل المثال أعلنت إيران مسبقاً عن ضربات صاروخية رداً على مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، على يد إدارة ترامب في عام 2020. كما أعطت طهران تحذيراً قبل الانتقام بعد أن انضمت الطائرات الحربية الأمريكية إلى الضربات الإسرائيلية على إيران العام الماضي.ويقول المعتدلون في الحكومة الإيرانية، مثل الرئيس مسعود بزشكيان، إن إيران يجب أن تتوصل إلى اتفاق، بينما يرى المتشددون ضرورة التمسك بالمطالبة بمزيد من التنازلات والحفاظ على موقف عدواني، أملاً في منع الولايات المتحدة من شن مزيد من الضربات.ويقول هادي برهاني، أستاذ الدراسات الإسرائيلية في جامعة طهران: «اكتسب المتشددون زخماً هائلاً، بحجة أن الغرب لا يمكن الوثوق به».