رغم كل ما جرى في الشهور الماضية، واقتراب المنطقة مراراً من حافة الخطر، يبدو أن من يصنع القرار في إيران يراهن على فرض نموذج استفزازي غايته دوام الفوضى في محيطه والعالم، واهماً أنه سيفرض في نهاية المطاف إرادته، أو ينجح في التنصل من التزاماته الإقليمية والدولية.تقف السياسة الإيرانية على تاريخ من التنصل من الالتزامات الدولية، ويصنفه البعض على أنه أحد نجاحاتها، رغم أن جوهره هو التعويل على إضاعة الوقت، والتأرجح اللحظي في المواقف، والانخراط في التفاوض ثم إنكار نتائجه، وادعاء انقسام المسؤولين إلى أكثر من معسكر لتشتيت الأطراف الأخرى، والجديد هو قبول الوسيط وطعنه في ظهره استمراراً لابتداع أعراف منكرة في العمل السياسي.تخطئ إيران إذا اعتقدت أن منطق إشاعة الفوضى يمكن أن ينتصر، وأن التعامل الدائم مع عدوانها على دول الجوار يمكن أن يكون طبيعياً مع مرور الوقت، أو ضاغطاً على أحد لقبول ما لا ترتضيه موجبات السيادة الوطنية. وتخطئ إيران إذا تصورت أن الرياح ستجري دوماً بما تشتهيه، أو أن ثمن استفزازها تدفعه وحدها الدول العربية في منطقة الخليج أو خارجها، فالمجتمع الإيراني سينفجر في لحظة ما وسيحاسب من ارتهنه طويلاً وصادر حقه في الحياة والتعايش مع جيرانه تأسيساً على أوهام.ورغم كل ما طال الإمارات من أفعال غادرة واعتداءات إرهابية إيرانية واجهتها بردع محسوب وحكيم، فإن الدولة، وهي تقف فعلاً وقولاً مع الدول العربية الشقيقة الباقية في مرمى استفزازات طهران، ترى فرصاً يمكن اغتنامها للسيطرة على حالة التصعيد في المنطقة وترويض التطورات المتسارعة حاملة في طياتها خطراً لا يستثني أحداً.تبصر الإمارات مواطن القلق في هذه التطورات، فطهران لا تنقلب فقط على التفاهمات المبرمة، ولا تعود فحسب إلى سيرة استهداف دول خليجية وعربية، وهو لم يكن يوماً ما مبرراً، وإنما تتلبسها روح التهور الأقرب إلى الانتحار. لم يعد بوسع طهران أن تزعم أنها تستهدف في هذا الدول منشآت عسكرية تدعي أنها منطلق لهجمات أمريكية عليها، فالمدارس والجامعات والمستشفيات ومحطات تحلية المياه ومنشآت الطاقة ومراكز النقل والمناطق السكنية محمية في الأعراف الأخلاقية والقواعد القانونية الدولية، ولا يمكن تسمية الهجوم عليها إلا بانتهاك صارخ وجسيم، ولا تبريره تحت أي ظرف، كما تقول الإمارات بلغة واضحة وشجاعة على الدوام.إن هذه الممارسات الإيرانية حين تضاف إلى محاولة قرصنة القرار في مضيق هرمز لا يمكن أن تنتهي إلى أيٍ من أشكال الاستقرار في المنطقة، ولن تفلح مساعي طهران لفرض أي أمر واقع، وعليها أن تتعامل مع مشاعر القلق بجدية، وأن تعرف أن دعوة الإمارات المتجددة إلى ضبط النفس ووقف الأعمال العدائية، ليست بحثاً عن خلاص فردي، ولا تجنباً لمواجهة تقتضيها مصلحة الدولة في أي وقت، وإنما حرص على إبعاد المنطقة والعالم عن منزلقات خطرة إذا حانت لحظة الدفاع الجماعي الحتمي عن المصالح المشتركة في مواجهة الاستفزاز الإيراني.