.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
القمّة الثانية في سنة واحدة بين الرئيسين دونالد ترامب وشي جينبينغ ستنتج تودّداً ودعوة إلى الشراكة والتهدئة. أبعد من ذلك، قد لا يكون بإمكان الرئيسين التحكّم بسفينتيهما المتعاكستين لفترة طويلة.
إنه واحد من أصعب الأسئلة، ليس بالنسبة إلى العلاقات الأميركية-الصينية وحسب، بل بالنسبة إلى مجمل العلاقات الدولية. هل ترسم الجيوبوليتيك قدراً محتوماً لمسار الصراع/التآخي بين الدول؟ أم أن للبراعة القيادية التأثير الأكبر في صياغة هذه العلاقات؟
في الصراع بين الولايات المتحدة والصين، تزداد مستويات التعقيد. فالعلاقة الثنائية تتخطى السعي إلى انتزاع أكبر حصة ممكنة من التنازلات المتبادلة، لتصل إلى تحقيق الهيمنة النهائية على العالم (أو الحفاظ عليها في حالة أميركا).
حين بدأ المراقبون الأميركيون ينتقدون الإدارات السابقة على إدماج الصين في النظام العالمي، كانت إحدى حججهم الأساسية أن بكين لم تتحول إلى الديموقراطية الليبرالية بفعل الانفتاح الأميركي، في وقت أضر هذا الدمج بالصناعات المحلية. مهما تكن البراهين المؤيدة والمناقضة لهذه الادعاءات، يبقى أن التصور العام للنقاد لم يميز كثيراً بين العهود الرئاسية المختلفة في الصين. لهذا الأمر دلالته: سواء كان الأمر مع دينغ شياو بينغ أو جيانغ زمين أو هو جينتاو أو الرئيس الحالي شي جينبينغ، ظلت الصين "خطراً" على الولايات المتحدة، بالرغم من التباين في توجهات هؤلاء القادة.
الرئيس الصيني شي جينبينغ يتحدث إلى الرئيس الأسبق جيانغ زيمين سنة 2017. (أ ب)
وبالمثل، حين تحدث شي عن "صعود الشرق وأفول الغرب" منذ أعوام، لم يربط توقعه بطبيعة الشخصيات التي ستترأس الولايات المتحدة. سنة 2021، قال رئيس "معهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة" (مقرب من الحكومة) يوان بينغ إن تلك الجملة لا تعكس تبجحاً أو حتى توقعاً صينياً بأفول نهائي للقوة الأميركية، وإنما تضيء اتجاهاً يمتد لمئة أو ربما مئات السنوات. أياً تكن الخلفيات الحقيقية لعبارة الصعود والأفول، يستحيل توقع أي اتجاه بعيد المدى، إذا تم إدخال أفكار الرؤساء المستقبليين بالاعتبار، لأن هذه المعرفة المسبقة مستحيلة قبل أعوام، ناهيكم عن عقود. (تذكّروا مثلاً أن الرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور (1952-1958) لم يترشّح إلى الانتخابات الرئاسية إلا سنة 1952 وعلى مضض).
دوايت أيزنهاور حين كان جنرالاً في الجيش الأميركي. (أ ب)
بالتالي، لدى العاصمتين قراءة هيكلية لموازين القوى، على الأقل، عند النظر إلى نقاط قوة وضعف الطرف الآخر.
يدخل العامل الشخصي أكثر، لا عند قراءة المسار العام للدولة المقابلة، بل عند قراءة الرئيسين لنقاط قوتهما. يرى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن بإمكان خبرته في عقد الصفقات وتقلّباته العلنية منح أميركا مزايا لن يؤمّنها أي رئيس آخر. على الضفة الأخرى، وفي 2018، استشهد شي بكلام للفيلسوف الصيني هان فيزي (القرن الثالث ق.م.) جاء فيه: "حين يكون أولئك القائمون على تطبيق القانون أقوياء، تكون الدولة قوية؛ وحين يكونون ضعفاء، تكون الدولة ضعيفة".
كان شي يؤكد حينها ضرورة تطبيق الإصلاحات تحت حكم القانون. لكن في الوقت نفسه، يصعب تجاهل تلميحه إلى قوة شخصيته حين تحدث بالتزامن عن ضرورة "مواجهة وحلّ" ما سمّاه "السؤال الجوهري في تاريخ السياسات عن قضية حكم القانون بمواجهة حكم الرجل". فمن المحتمل أن يكون شي، كمؤمن بالمادية الجدلية، باحثاً عن وحدة بين نقيضين: قوة لحكم القانون في الصين بالتكامل مع قوة المشرف الأبرز على هذا تطبيق الحكم، وهو شي نفسه.
الرئيس الصيني شي جينبينغ يستضيف نظيره الأميركي دونالد ترامب في قاعة الشعب العظمى، بكين، أيار/مايو 2026. (أ ب)
لا تدّعي هذه الأسطر القليلة إمكانية استشراف ما تخفق في استشرافه مدارس بأكملها في العلاقات الدولية. لكن ذلك لا يلغي واقعاً مرجَّحاً: يدرك شي أن ترامب، بل الولايات المتحدة، "تشتري الوقت" ريثما تعيد ترسيخ نفسها في حقل العناصر الأرضيّة النادرة. وتدرك الولايات المتحدة أنّ شي بل الصين "تشتري الوقت" ريثما يصبح جيشها جاهزاً للتحرك في مضيق تايوان وريثما يصبح توازنها الاقتصادي أكثر نضوجاً.
بهذه الطريقة، ليست القمم الرئاسية بين البلدين مصمّمة أساساً لتفادي الانفجار المحتمل، بل لتأجيله. يستحق هذا الهدف كلّ المساعي الممكنة، وإن يكن غير مثاليّ.
يُضرب موعد مع الإضرابات والتحركات المطلبية الأسبوع المقبل، مع رصد الاجتماعات العمالية هذا الأسبوع لتحديد خريطة الاعتراض الشعبي على موجة الغلاء. فمن يتحرك؟ وما مدى الاستجابة للمطالب؟