بالأمس، انطفأ في دنيانا نجم طالما أرشد السائرين في دروب الفلك، وترجل عالم لم يكن مجرد عابر في فضاء العلوم، بل كان معلماً ومؤسساً وبانياً لأجيال تطلعت نحو الأفق برفقته.
رحل الفلكي القدير صالح بن حسين الخليفة، أحد أبرز رواد الفلك في العالم العربي، بعد أن خطّ بيمينه مسيرةً مرصعة بالبذل، ممتدة لعقود.
إن رحيل قامة بحجم الأستاذ صالح الخليفة لا يمثل غياباً عادياً، بل هو خسارة لمؤسسة فلكية كاملة تسير على قدمين. فمنذ نعومة أظفار شغفه، لم يكتفِ الفقيد بالنظر إلى النجوم كأجرام مضيئة، بل غاص في تاريخها، وبحث في أصول أسمائها العربية.
لقد أدرك باكراً أن العرب الأوائل تركوا في السماء معجزة معرفية، فآلى على نفسه المحافظة على هذا الإرث العلمي والتاريخي، وتوثيق أسماء النجوم التي ما زالت القواميس الحديثة تردد صداها حتى اليوم.
تتجلى عظمة الكبار لا فيما يحرزونه من ألقاب فحسب، بل في الأثر الحقيقي الذي يتركونه في حياة الآخرين. ولعل أبلغ ما يُختصر في هذا المقام، هو ما سطّره رفيق دربه وتلميذه الخبير الفلكي الدكتور خالد بن صالح الزعاق، حين كتب بمداد الحزن والوفاء معلناً رحيل «الصديق الغالي»، شاهداً له بطول الباع والقدم الراسخة في نشر الوعي الفلكي، ومقراً بفضله الشخصي عليه في تعلم أسرار تشغيل التلسكوبات وإدارة القباب الفلكية. هذا الاعتراف النبيل يعكس مدرسة الراحل؛ مدرسة العطاء بلا حدود، وصناعة القادة والعلماء الذين يحملون الشعلة من بعده.
لأكثر من ثلاثين سنة، كان صالح الخليفة نابضاً بالحياة والمعرفة في أروقة واحة الملك سلمان للعلوم، حيث عمل مشرفاً وموجهاً، محولاً القباب الفلكية من مجرد مبانٍ صامتة إلى منصات معرفية حية تلهم عقول الصغار والكبار. كم من طالب وقف تحت تلك القبة، ينظر عبر عدسة التلسكوب بتوجيه من الراحل، ليزرع في قلبه شغف الكون! وكم من مرصد فلكي شهد على دقة ملاحظته وتفانيه في تشغيل الأجهزة المعقدة في زمن لم تكن فيه التقنية ميسرة كما هي اليوم.
لم ينحصر طموح الفقيد داخل الحدود المحلية، بل امتدت إسهاماته لتتقاطع مع جهود فلكية دولية؛ فكان همزة الوصل بين الموروث العربي والشرق، لعل أبرزها تعاونه المثمر مع الباحث الألماني الراحل «بول كونيتش» المتخصص في تاريخ انتقال أسماء النجوم العربية إلى المؤلفات الأوروبية، إلى جانب تكامله مع الباحثين الوطنيين لإبقاء هذه الهوية الفلكية حية وبراقة.
علمتنا الأيام أن أجساد العلماء تغيب، وتوارى تحت الثرى، لكن علومهم تظل ساطعة كالشمس لا يحجبها غياب. إن عزاءنا الوحيد في فقد أستاذنا صالح الخليفة هو ذلك الوعي الفلكي الذي بذره في عقول الآلاف، وتلك التلسكوبات التي ما زالت تشير إلى السماء بكفاءة بفضل ما وضعه فيها من إتقان، والدعوات الصادقة التي تلهج بها ألسنة تلامذته ومحبيه في كل أرجاء الوطن العربي.
رحم الله أبا حسين، رحمة واسعة، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه لخدمة العلم وأهله، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته الكريمة، وتلامذته، والأسرة الفلكية العربية الصبر والسلوان.
ستبقى سيرتك العطرة، يا سادن القباب، محفورة في ذاكرة الأرض.. ومكتوبة بنور النجوم في صفحة السماء.
بالأمس، انطفأ في دنيانا نجم طالما أرشد السائرين في دروب الفلك، وترجل عالم لم يكن مجرد عابر في فضاء العلوم، بل كان معلماً ومؤسساً وبانياً لأجيال تطلعت نحو الأفق برفقته.
رحل الفلكي القدير صالح بن حسين الخليفة، أحد أبرز رواد الفلك في العالم العربي، بعد أن خطّ بيمينه مسيرةً مرصعة بالبذل، ممتدة لعقود.
إن رحيل قامة بحجم الأستاذ صالح الخليفة لا يمثل غياباً عادياً، بل هو خسارة لمؤسسة فلكية كاملة تسير على قدمين. فمنذ نعومة أظفار شغفه، لم يكتفِ الفقيد بالنظر إلى النجوم كأجرام مضيئة، بل غاص في تاريخها، وبحث في أصول أسمائها العربية.
لقد أدرك باكراً أن العرب الأوائل تركوا في السماء معجزة معرفية، فآلى على نفسه المحافظة على هذا الإرث العلمي والتاريخي، وتوثيق أسماء النجوم التي ما زالت القواميس الحديثة تردد صداها حتى اليوم.
تتجلى عظمة الكبار لا فيما يحرزونه من ألقاب فحسب، بل في الأثر الحقيقي الذي يتركونه في حياة الآخرين. ولعل أبلغ ما يُختصر في هذا المقام، هو ما سطّره رفيق دربه وتلميذه الخبير الفلكي الدكتور خالد بن صالح الزعاق، حين كتب بمداد الحزن والوفاء معلناً رحيل «الصديق الغالي»، شاهداً له بطول الباع والقدم الراسخة في نشر الوعي الفلكي، ومقراً بفضله الشخصي عليه في تعلم أسرار تشغيل التلسكوبات وإدارة القباب الفلكية. هذا الاعتراف النبيل يعكس مدرسة الراحل؛ مدرسة العطاء بلا حدود، وصناعة القادة والعلماء الذين يحملون الشعلة من بعده.
لأكثر من ثلاثين سنة، كان صالح الخليفة نابضاً بالحياة والمعرفة في أروقة واحة الملك سلمان للعلوم، حيث عمل مشرفاً وموجهاً، محولاً القباب الفلكية من مجرد مبانٍ صامتة إلى منصات معرفية حية تلهم عقول الصغار والكبار. كم من طالب وقف تحت تلك القبة، ينظر عبر عدسة التلسكوب بتوجيه من الراحل، ليزرع في قلبه شغف الكون! وكم من مرصد فلكي شهد على دقة ملاحظته وتفانيه في تشغيل الأجهزة المعقدة في زمن لم تكن فيه التقنية ميسرة كما هي اليوم.
لم ينحصر طموح الفقيد داخل الحدود المحلية، بل امتدت إسهاماته لتتقاطع مع جهود فلكية دولية؛ فكان همزة الوصل بين الموروث العربي والشرق، لعل أبرزها تعاونه المثمر مع الباحث الألماني الراحل «بول كونيتش» المتخصص في تاريخ انتقال أسماء النجوم العربية إلى المؤلفات الأوروبية، إلى جانب تكامله مع الباحثين الوطنيين لإبقاء هذه الهوية الفلكية حية وبراقة.
علمتنا الأيام أن أجساد العلماء تغيب، وتوارى تحت الثرى، لكن علومهم تظل ساطعة كالشمس لا يحجبها غياب. إن عزاءنا الوحيد في فقد أستاذنا صالح الخليفة هو ذلك الوعي الفلكي الذي بذره في عقول الآلاف، وتلك التلسكوبات التي ما زالت تشير إلى السماء بكفاءة بفضل ما وضعه فيها من إتقان، والدعوات الصادقة التي تلهج بها ألسنة تلامذته ومحبيه في كل أرجاء الوطن العربي.
رحم الله أبا حسين، رحمة واسعة، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه لخدمة العلم وأهله، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته الكريمة، وتلامذته، والأسرة الفلكية العربية الصبر والسلوان.
ستبقى سيرتك العطرة، يا سادن القباب، محفورة في ذاكرة الأرض.. ومكتوبة بنور النجوم في صفحة السماء.
الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.
أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.