رحيل الأديب محمد العلي.. شاعر تجاوز حدود القصيدة

لم يكن رحيل الشاعر والمفكر محمد العلي، في السابع والعشرين من أكتوبر 2026، غياباً لصوت شعري فحسب، بل نهاية رحلة ثقافية طويلة ظل خلالها السؤال أكثر حضوراً من الإجابة، والعقل أكثر إلحاحاً من المسلّمات. رحل العلي عن عمر ناهز 94 عاماً، تاركاً وراءه تجربة تتجاوز حدود القصيدة إلى فضاء الفكر والنقد ومساءلة المجتمع، ليبقى واحداً من الأسماء التي أسهمت في تشكيل ملامح الثقافة السعودية الحديثة.

وُلد العلي عام 1932 في بلدة العمران بمحافظة الأحساء، حيث تشكّلت بداياته الأولى في بيئة محلية ارتبطت بالنخيل والماء وذاكرة المكان. وفي الكتاتيب تعلّم مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم، قبل أن ينتقل إلى العراق لمواصلة تعليمه، ويكمل دراسته الجامعية في كلية الفقه بجامعة بغداد عام 1962. وقد منحت هذه الرحلة المعرفية كتابته مزيجاً من صلة عميقة بالموروث وانفتاح على أسئلة العصر، وهو ما ظهر لاحقاً في شعره ومقالاته ومواقفه الثقافية.

«المكان والإنسان»

في تجربة العلي، لم يكن الشعر ترفاً لغوياً أو استعراضاً للقدرة على صياغة الصور، بل وسيلة لاكتشاف ما يختبئ خلف الأشياء. ولعل الماء، بما يحمله من دلالات الحياة والتحول والذاكرة، كان من أبرز المفاتيح التي يمكن من خلالها قراءة عالمه الشعري. ففي ديوانه «لا ماء في الماء» تتجاوز الصورة حدود الطبيعة لتلامس القلق الوجودي، وتفتح أمام القارئ احتمالات متعددة للتأويل.

وقد توقف الناقد سعد البازعي، في قراءته المنشورة بصحيفة «الرياض» عام 2009، عند حضور الماء في شعر العلي، مشيراً إلى كثافة هذه الصورة وعمقها وعذوبتها، وإلى قدرة الشاعر على تحويل البيئة الخليجية القريبة إلى فضاء يحمل هموماً عربية وإنسانية أوسع. وهي قراءة تكشف جانباً من خصوصية تجربته؛ إذ لم يعزل المكان عن العالم، بل جعله مدخلاً لفهم الإنسان وتحولاته.

ولم يكن العلي غزير النشر بقدر ما كان شديد العناية بما يكتب. فقد آثر التأمل والاختزال، وترك للنص مساحة من الصمت تتيح للقارئ المشاركة في إنتاج المعنى. لذلك لم تكن قصائده سهلة الاستهلاك، بل أعمالاً تستدعي العودة إليها، كلما تغيّرت أسئلة قارئها واتسعت خبرته بالحياة.

«الحداثة والحياة»

امتد مشروع العلي إلى المقالة الفكرية والنقد الثقافي، حيث دافع عن التجديد، وناقش قضايا التنوير وقبول الاختلاف وتحرير العقل من الانغلاق. ولم يتعامل مع الحداثة بوصفها شكلاً شعرياً مستورداً، بل باعتبارها حركة متجددة في التفكير والسلوك، تستجيب لتحولات المجتمع وتمنحه القدرة على مراجعة ذاته.

وفي مسيرته المهنية، عمل معلماً في ثانوية الدمام، ثم في قطاع التعليم بالمنطقة الشرقية، وتولى الإشراف التربوي في الهيئة الملكية بالجبيل. كما ارتبط اسمه بالصحافة الثقافية، وترأس تحرير صحيفة «اليوم» لمدة عامين، وكتب زاويته المعروفة «كلمات مائية»، التي جمعت بين التأمل الأدبي وطرح الأسئلة الفكرية بلغة موجزة لا تخلو من المفارقة.

وتكشف عناوين كتبه عن تعدد اهتماماته؛ فمن «هموم الضوء» و»درس في البحر» إلى «نمو المفاهيم» و»البئر المستحيلة» و»حلقات أولمبية.. مقالات في قضايا التنوير والحداثة»، ظل مشغولاً بالإنسان ومعرفته وموقعه من الأفكار السائدة. وفي عام 2022، فاز بجائزة الأمير عبدالله الفيصل للشعر العربي في فرع التجربة الشعرية، تقديراً لمسيرته وإسهامه في الشعر العربي.

«شهادات وأثر»

تتعدد زوايا النظر إلى تجربة العلي، لكن القاسم المشترك بينها هو صعوبة الفصل بين الشاعر والمفكر. ففي قراءة سعد البازعي، يتجلى شاعر مرتبط ببيئته الخليجية، منفتح في الوقت نفسه على قضايا الإنسان الكبرى. أما عابد خزندار، الذي كتب عنه في صحيفة «الرياض»، فقد أبرز تميّز كتابته الصحفية، وقدرتها على تقديم الأفكار الفكرية في صياغة سلسة ومكثفة.

ومن خلال هذه القراءات، لا يبدو العلي مجرد اسم ارتبط بمرحلة من مراحل الحداثة السعودية، بل تجربة أثارت النقاش وأسهمت في توسيع مساحة الاختلاف داخل المشهد الثقافي. وتبرز أهمية إرثه كذلك في دعوته إلى أن يتجاوز الجيل الجديد أسلافه إبداعياً، من دون أن يتنكر لمن مهّدوا الطريق أمامه.

برحيل محمد العلي، تخسر الثقافة صوتاً لم يكتف بكتابة القصيدة، بل انشغل بالسؤال عن وظيفة الثقافة في المجتمع، وعن قدرة الإنسان على مراجعة يقينياته. غير أن قيمة التجارب الكبرى لا تقاس بغياب أصحابها، بل بما تتركه من أسئلة قابلة للحياة. وفي هذا المعنى، ربما كان أكثر ما يبقى من العلي هو إيمانه بأن الكتابة لا تنتهي عند آخر سطر، وأن الفكر الحقيقي يبدأ حين يجرؤ الإنسان على السؤال.

الراحل الكبير محمد العلي

مؤلفات العلي ترفد المكتبة العربية