لا شك أن رحيل الأدباء ورواد الصحافة، ومن كانت لهم أدوار بارزة في العمل الحكومي وخدمة الوطن، يترك في النفوس حزناً عميقاً، ولا سيما حين يكون الراحل صديقاً امتدت معرفتنا به عقوداً طويلة، وجمعتنا به وشائج العلم والأدب والصداقة. ومن هؤلاء الأستاذ الأديب عمران بن محمد العمران، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم السبت 29-4-1448هـ، وصُلِّي عليه في اليوم نفسه بعد صلاة العصر في جامع الملك خالد بحي أم الحمام في الرياض.
وُلد الفقيد في مدينة الرياض عام 1352هـ، ونشأ في أسرة عريقة بين والديه وإخوته. وألحقه والده بأحد الكتاتيب، فتعلّم القراءة والكتابة وحفظ ما تيسّر له من قصار السور، ثم التحق بالمدرسة الأهلية بعد افتتاحها، حتى نال الشهادة الابتدائية. وبعد ذلك واصل دراسته في المعهد العلمي، وتخرّج فيه عام 1373هـ، ثم التحق بكلية اللغة العربية، وتخرّج فيها عام 1377هـ ضمن أول دفعة تخرّجت في الكلية.
كان الفقيد يسبقني في التخرّج بعام واحد، هو والزميل الدكتور محمد بن عبدالرحمن المفدّى، أما أنا فكنت ضمن الدفعة الثانية التي تخرّجت عام 1378هـ، ومن زملائنا فيها الدكتور محمد بن سعد بن حسين، والأديب عبدالله بن حمد الحقيل، وعبدالعزيز بن عبدالله الخراشي، ومحمد بن صالح العميل، رحمهم الله جميعاً.
فَإِنْ تَكُنِ الأَيَّامُ فَرَّقْنَ بَيْنَنَا
لم يكتفِ الفقيد بما حصّله من علم، بل واصل دراسته في المعهد العالي للدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة، وحصل على دبلومه العالي عام 1380هـ، مواصلاً بذلك مسيرته العلمية والثقافية.
أما مسيرته الصحفية، فقد بدأت مبكراً عام 1371هـ، إذ كتب في عدد من الصحف والمجلات السعودية، منها اليمامة، والبلاد السعودية، وأخبار الظهران، والأضواء، والخليج العربي، وغيرها. وكان من مؤسسي مؤسسة اليمامة الصحفية، وتولى رئاسة تحرير صحيفة الرياض اليومية منذ صدور عددها الأول، فكان أول رئيس تحرير لها، كما كان من مؤسسي النادي الأدبي بالرياض. ويُعدّ كذلك من أوائل المطالبين بإنشاء مكتبة وطنية في المملكة، وهو ما يعكس اهتمامه بالثقافة وحرصه على دعم الحركة العلمية. وقد تجلّى في مسيرته إيمان راسخ بدور الصحافة والمؤسسات الثقافية في نشر المعرفة وخدمة المجتمع.
وإلى جانب نشاطه الأدبي والصحفي، تقلّد الفقيد عدداً من المناصب الحكومية؛ فعمل مديراً للأعمال في لجنة الأنظمة بالأمانة العامة لمجلس الوزراء، ومديراً إقليمياً لمكتب العمل الرئيسي بالمنطقة الشرقية التابع لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية. كما عمل في الشركة الوطنية السعودية للكهرباء بالرياض، ثم عُيّن مديراً عاماً لمصلحة المياه والصرف الصحي بمنطقة الرياض عام 1397هـ، واستمر في هذا المنصب حتى تقاعده عام 1412هـ.
امتدت مسيرته الوطنية إلى العمل التشريعي، إذ صدر الأمر الكريم باختياره عضواً في مجلس الشورى خلال دورتيه الأولى والثانية، كما شارك في عدد من اللجان المعنية بتطوير مدينة الرياض. وهكذا تنوّعت مجالات عطائه بين الإدارة الحكومية والعمل التشريعي والإعلام والأدب، جامعاً بين الخبرة العملية والاهتمام الثقافي.
لم يكن الأستاذ عمران العمران مجرد صحفي أو مسؤول حكومي، بل كان أديباً وباحثاً أولى التراث الأدبي والشعر عناية خاصة، ولا سيما شعراء اليمامة. فقد كتب دراسات أدبية عنهم، وتناول سيرة ابن المقرب العيوني، شاعر الأحساء، كما كان له حضور في مجالات الأدب والنقد والبلاغة والإعلام، وعالج عدداً من القضايا الاجتماعية. وتميّزت مقالاته بطابع توجيهي وإصلاحي، إذ سعى من خلالها إلى تقويم بعض الظواهر، وإبداء الرأي في شؤون الثقافة والحياة والمجتمع.
من أبرز مؤلفاته: من أعلام الشعر اليمامي، وابن المقرب حياته وشعره، وديوان الأمل الظامئ، ومن وحي السنين، وحديث عابر، وهوامش أدبية، وهو مجموعة من المقالات المتصلة بالشأن الأدبي والثقافي، وشؤون وآراء، الذي يضم مقالات تتناول عدداً من القضايا الاجتماعية وشؤون الحياة والناس. وتكشف هذه المؤلفات عن تنوّع اهتماماته، وحرصه على توثيق التراث الأدبي، ومواصلة الكتابة في القضايا التي تمس الثقافة والمجتمع.
مَضَى غَيرَ مَذْمُومٍ، وَأَصْبَحَ ذِكْرُهُ
حُلِيَّ القَوَافِي بَيْنَ رَاثٍ وَمَادِحِ
لقد بدأت علاقتي بالفقيد أيام دراستنا في كلية اللغة العربية، ثم تتابعت لقاءاتنا في المنتديات الأدبية والاجتماعية التي كانت تُعقد في مجلس الشيخ حمد الجاسر -رحمه الله-، وفي النادي الأدبي بالرياض. كما جمعتنا محبة الأدب والكتب، وتبادلنا المؤلفات والهدايا الأدبية، وتابعت مسيرته في ميادين الأدب والصحافة والعمل الوطني، فازددتُ تقديراً لعطائه واعتزازاً بما قدّمه. وقد خلّف الفقيد سيرة طيبة، وأعمالاً نافعة، وإرثاً أدبياً وإعلامياً يشهد بإسهاماته، ويبقي اسمه حاضراً في ذاكرة الثقافة والصحافة السعودية.
تغمّد الله الفقيد بواسع رحمته ومغفرته، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أبناءه وبناته وأحفاده وأسرة آل عمران ومحبيه الصبر والسلوان.
بَعَّدْتُمْ عَنْ العَيْنِ فَازْدَادَ حُبُّكُمْ
وَغِبْتُمْ وَأَنْتُمْ فِي الفُؤَادِ حُضُورُ
لا شك أن رحيل الأدباء ورواد الصحافة، ومن كانت لهم أدوار بارزة في العمل الحكومي وخدمة الوطن، يترك في النفوس حزناً عميقاً، ولا سيما حين يكون الراحل صديقاً امتدت معرفتنا به عقوداً طويلة، وجمعتنا به وشائج العلم والأدب والصداقة. ومن هؤلاء الأستاذ الأديب عمران بن محمد العمران، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم السبت 29-4-1448هـ، وصُلِّي عليه في اليوم نفسه بعد صلاة العصر في جامع الملك خالد بحي أم الحمام في الرياض.
وُلد الفقيد في مدينة الرياض عام 1352هـ، ونشأ في أسرة عريقة بين والديه وإخوته. وألحقه والده بأحد الكتاتيب، فتعلّم القراءة والكتابة وحفظ ما تيسّر له من قصار السور، ثم التحق بالمدرسة الأهلية بعد افتتاحها، حتى نال الشهادة الابتدائية. وبعد ذلك واصل دراسته في المعهد العلمي، وتخرّج فيه عام 1373هـ، ثم التحق بكلية اللغة العربية، وتخرّج فيها عام 1377هـ ضمن أول دفعة تخرّجت في الكلية.
كان الفقيد يسبقني في التخرّج بعام واحد، هو والزميل الدكتور محمد بن عبدالرحمن المفدّى، أما أنا فكنت ضمن الدفعة الثانية التي تخرّجت عام 1378هـ، ومن زملائنا فيها الدكتور محمد بن سعد بن حسين، والأديب عبدالله بن حمد الحقيل، وعبدالعزيز بن عبدالله الخراشي، ومحمد بن صالح العميل، رحمهم الله جميعاً.
فَإِنْ تَكُنِ الأَيَّامُ فَرَّقْنَ بَيْنَنَا
لم يكتفِ الفقيد بما حصّله من علم، بل واصل دراسته في المعهد العالي للدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة، وحصل على دبلومه العالي عام 1380هـ، مواصلاً بذلك مسيرته العلمية والثقافية.