رحابةُ اللقاء – نجلاء العتيبي

في اللقاءات التي تأتي بعد غياب تتردَّد كلمةُ «تغيَّرت» كثيرًا، قد يقولها شخصٌ؛ لأنه يتذكَّر مَن أمامه ويهتمُّ لأمره، وقد تكون بدايةً لتعليقات تفحص ملامحه وظروفه، وطريقة قولها وما يتبعها تحددانِ أثرها: تُقرّب بين الناس، أو تثقل على أحدهم أيامًا طويلة.

نلتقي أُناسًا بعد مدة ليست طويلة، لكنها تكفي لأن نعيشَ تجارب لا تظهر كلها على الوجه؛ فيتبدَّل عمل، ويكبَرُ طفل، وتخفُّ وطأة خسارة، وتتغيَّر نظرة إلى الحياة، وتنضج فكرة كانت مرتبكةً، غير أن بعض المجالس لا تسأل عما تعلَّمه الإنسان أو اجتازه؛ بل تنشغل بما زاد من وزنه، وما نقص من شعره، وما ناله من رزق؛ فيبدأ التعليق عند المصافحة، ويظلُّ حاضرًا في الأحاديث بعد انصراف الجميع.

«فلان كبر»، «فلانة سمنت»، «فلان تاجر، ما يعجّز، ما عليه!». وحين يصبح ما ناله الآخرون موضع تشكيك، تتجاوز القسوة حدود الذوق؛ إذ يُنصّب المتحدث نفسه قاضيًا على أرزاق لا يعرف حكايتها، ما الذي نملكه من حياة أحدٍ حتى نزن نصيبه بميزاننا؟ وما الذي تُضيفه هذه الأحكام إلى يومنا سوى تضييق مساحة الفرح؟

والأعجب أن أحدًا لا ينجو من هذه المحاكمة؛ فمَن ظهرت عليه السنون صار مادةً للتعليق، ومَن حافظ على رشاقته قيل له: «وش عندك؟». هكذا يصبح التغيُّر تهمة، ويصبح الثبات تهمةً أخرى، وفي الحالتين يُحرم المرء من أبسط حقوقه: أن يعيش عمره دون أن يشرح للناس لماذا يبدو كما يبدو.

والسنون لا تمرُّ على الجميع بالوتيرة نفسها، ولا تحمل لهم الأعباء ذاتها؛ فوجه أنهكه السهر على مريض قد يُخفي قلبًا أكثر رحمةً، ومن غاب عن لقاءاتنا ربما حملته مسؤوليات لم يخبر بها أحدًا، وآخر رزقه الله سَعةً بعد ضيقٍ؛ فهل نستقبله بالظنون بدل أن نسعد له؟ الاقتصار على المظهر يجعلنا نُفوّت الإنسان الذي أمامنا، بكل ما اكتسبه من حكمة وقدرة على النهوض.

وليس المطلوب أن نتجاهل الفروق التي نراها، وإنما أن نعرف متى يكون السؤال عنايةً، ومتى يصير اقتحامًا، يمكن لعبارة «سعدتُ برؤيتك» أن تمنح اللقاء دفئه، ولسؤالٍ صادقٍ عن الأحوال أن يفتح حديثًا يختار صاحبه حدوده، أما المديح الذي يحمل تعريضًا بغيره، والفضول الذي يتخفى في صورة مزاح، فلا يصنعانِ أُلفةً مهما علت الضحكات.

للتعليقات عمرٌ أطول مما نظنُّ، قد يغادر صاحبها المجلس وينسى أنه قالها، بينما يعود بها مَن سمعها إلى بيته، يعُيد النظر في صورته، أو يتردَّد في لقاء أحبَّةٍ اشتاق إليهم؛ ولهذا لا يُقاسُ لطف الكلام بنيَّة قائله وحدها، وإنما بأثره على مَن تلقاه، نستطيع أن نكون قريبينَ من الناس بلا تفتيشٍ، وأن نعبّر عن دهشتنا من مرور الزمن من غير أن نجعل أجسادهم سجلًّا له، ومن كان حقًّا مهتمًّا سيسمع قبل أن يفسّر، ويفرح بما يشاركه الآخر طوعًا، ويحترم ما آثر الاحتفاظ به لنفسه، وفي ذلك اتساع يليق بصداقةٍ نجت من الغياب، وبقرابة تستحقُّ أن تبقى مأمنًا لا موضع مساءلةٍ.

نحن جميعًا نتبدَّل بعد كل هذه السنين، كلٌّ بطريقته الخاصة؛ تلك علامة الحياة لا عيبها، ومن الرُّقيِّ أن نمنح مَن نلقاه فرصةً أن يُعرّفنا بنفسه كما هو اليوم، لا أن نحبسه في صورة قديمة احتفظنا بها، سيأتي وقت نرجو فيه أن يرانا الآخرون بعين تتسع لتجربتنا، وأن يسألوا عنا بمحبَّةٍ، وأن يتركوا ما لا نريد قوله في أمانٍ، فلنبدأ نحن بذلك: نحتفي باللقاء، ونحفظ للغائب سنواته، ونترك أحكامنا خارج الباب.

«نحن لا نرى الحقيقة، بل نرى صورنا وانطباعاتنا وقوالبنا التي نصنعها، ونظنُّ أننا نرى الناس على حقيقتهم».

في اللقاءات التي تأتي بعد غياب تتردَّد كلمةُ «تغيَّرت» كثيرًا، قد يقولها شخصٌ؛ لأنه يتذكَّر مَن أمامه ويهتمُّ لأمره، وقد تكون بدايةً لتعليقات تفحص ملامحه وظروفه، وطريقة قولها وما يتبعها تحددانِ أثرها: تُقرّب بين الناس، أو تثقل على أحدهم أيامًا طويلة.

نلتقي أُناسًا بعد مدة ليست طويلة، لكنها تكفي لأن نعيشَ تجارب لا تظهر كلها على الوجه؛ فيتبدَّل عمل، ويكبَرُ طفل، وتخفُّ وطأة خسارة، وتتغيَّر نظرة إلى الحياة، وتنضج فكرة كانت مرتبكةً، غير أن بعض المجالس لا تسأل عما تعلَّمه الإنسان أو اجتازه؛ بل تنشغل بما زاد من وزنه، وما نقص من شعره، وما ناله من رزق؛ فيبدأ التعليق عند المصافحة، ويظلُّ حاضرًا في الأحاديث بعد انصراف الجميع.

«فلان كبر»، «فلانة سمنت»، «فلان تاجر، ما يعجّز، ما عليه!». وحين يصبح ما ناله الآخرون موضع تشكيك، تتجاوز القسوة حدود الذوق؛ إذ يُنصّب المتحدث نفسه قاضيًا على أرزاق لا يعرف حكايتها، ما الذي نملكه من حياة أحدٍ حتى نزن نصيبه بميزاننا؟ وما الذي تُضيفه هذه الأحكام إلى يومنا سوى تضييق مساحة الفرح؟

والأعجب أن أحدًا لا ينجو من هذه المحاكمة؛ فمَن ظهرت عليه السنون صار مادةً للتعليق، ومَن حافظ على رشاقته قيل له: «وش عندك؟». هكذا يصبح التغيُّر تهمة، ويصبح الثبات تهمةً أخرى، وفي الحالتين يُحرم المرء من أبسط حقوقه: أن يعيش عمره دون أن يشرح للناس لماذا يبدو كما يبدو.

والسنون لا تمرُّ على الجميع بالوتيرة نفسها، ولا تحمل لهم الأعباء ذاتها؛ فوجه أنهكه السهر على مريض قد يُخفي قلبًا أكثر رحمةً، ومن غاب عن لقاءاتنا ربما حملته مسؤوليات لم يخبر بها أحدًا، وآخر رزقه الله سَعةً بعد ضيقٍ؛ فهل نستقبله بالظنون بدل أن نسعد له؟ الاقتصار على المظهر يجعلنا نُفوّت الإنسان الذي أمامنا، بكل ما اكتسبه من حكمة وقدرة على النهوض.

وليس المطلوب أن نتجاهل الفروق التي نراها، وإنما أن نعرف متى يكون السؤال عنايةً، ومتى يصير اقتحامًا، يمكن لعبارة «سعدتُ برؤيتك» أن تمنح اللقاء دفئه، ولسؤالٍ صادقٍ عن الأحوال أن يفتح حديثًا يختار صاحبه حدوده، أما المديح الذي يحمل تعريضًا بغيره، والفضول الذي يتخفى في صورة مزاح، فلا يصنعانِ أُلفةً مهما علت الضحكات.

للتعليقات عمرٌ أطول مما نظنُّ، قد يغادر صاحبها المجلس وينسى أنه قالها، بينما يعود بها مَن سمعها إلى بيته، يعُيد النظر في صورته، أو يتردَّد في لقاء أحبَّةٍ اشتاق إليهم؛ ولهذا لا يُقاسُ لطف الكلام بنيَّة قائله وحدها، وإنما بأثره على مَن تلقاه، نستطيع أن نكون قريبينَ من الناس بلا تفتيشٍ، وأن نعبّر عن دهشتنا من مرور الزمن من غير أن نجعل أجسادهم سجلًّا له، ومن كان حقًّا مهتمًّا سيسمع قبل أن يفسّر، ويفرح بما يشاركه الآخر طوعًا، ويحترم ما آثر الاحتفاظ به لنفسه، وفي ذلك اتساع يليق بصداقةٍ نجت من الغياب، وبقرابة تستحقُّ أن تبقى مأمنًا لا موضع مساءلةٍ.

نحن جميعًا نتبدَّل بعد كل هذه السنين، كلٌّ بطريقته الخاصة؛ تلك علامة الحياة لا عيبها، ومن الرُّقيِّ أن نمنح مَن نلقاه فرصةً أن يُعرّفنا بنفسه كما هو اليوم، لا أن نحبسه في صورة قديمة احتفظنا بها، سيأتي وقت نرجو فيه أن يرانا الآخرون بعين تتسع لتجربتنا، وأن يسألوا عنا بمحبَّةٍ، وأن يتركوا ما لا نريد قوله في أمانٍ، فلنبدأ نحن بذلك: نحتفي باللقاء، ونحفظ للغائب سنواته، ونترك أحكامنا خارج الباب.

«نحن لا نرى الحقيقة، بل نرى صورنا وانطباعاتنا وقوالبنا التي نصنعها، ونظنُّ أننا نرى الناس على حقيقتهم».

الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.

أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.