راشد بن راجح الشريف المعالي والمعاني العلم والإدارة والمروءة والكرم 1356-1448 هـ – د.صالح بن عبدالله  بن حميد

الحمد لله الذي كتب على عباده سنّة الرحيل، وجعل الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأجرى على خلقه حكمته البالغة في تداول الأيام، وتعاقب الأجيال جيلاً بعد جيل، فقال سبحانه: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)، وقال سبحانه: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (14) سورة يونس، وجعل سبحانه بقاء الإنسان فيما يقدمه من خير، وما يتركه من أثر، وما يورثه من علم نافع، وخُلق كريم، وعمل صالح، ليكون له لسان صدق في الآخرين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، دلنا على أن الإنسان حين ينقضي أجله، يبقى الطيب من ذكره، وأن الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

فإن فقد الرجال الذين أمضوا أعمارهم في خدمة العلم، والتعليم، والوطن ليس فقد فردٍ فحسب، بل هو فقد مرحلة، وغياب صفحة من صفحات العطاء، وانطفاء صوتٍ كان له حضوره في ميادين البناء، والإصلاح. وإن من أصعب ما يمر على القلوب أن ترى أهل الفضل يرحلون واحدًا بعد آخر، ولكن عزاء المؤمنين أن ما عند الله خير وأبقى، وأن الأعمال الصالحة لا تنقطع، وأن آثار المخلصين تظل ممتدة بعد انتقالهم إلى رحمة الله، وأن في الأمة رجالَها، وأهلَ الفضل والصلاح فيها من الذين تُعمر بهم الأوطان، وتصلح بهم المجتمعات، ويرتفع بهم البناء. فلله الحمد والمنة.

إن الحديث عن الشخصيات المؤثرة ليس حديثًا عن أسماءٍ مجردة، ولا عن مناصبَ زائلة، وإنما هو حديث عن مسيرة، وعن قيمٍ تجسدت، وعن أثرٍ بقي في الناس.

فالشخصيات الكبيرة لا تُعرف بكثرة ما قالت، وإنما بعظيم ما صنعت، ولا بطول السنين، وإنما بما تركته من أثر في المؤسسات، وفي الناس، وفي مسيرة العمل.

وهكذا تبقى حياة الرجال العظماء ممتدة بعد رحيلهم؛ بما تركوه في العقول والقلوب والمجتمع.

يقال ذلك ونحن نودع رجلًا من رجال العلم، والإدارة، والكرم والمروءة، ومن أبناء الوطن الذين حملوا رسالة التعليم، وعلموا أن بناء الإنسان هو أعظم استثمار، وأن دور التعليم ليست مباني ومكاتب، وإنما هي مصانع للعقول، ومواطن لصناعة المستقبل، ومنارات تهدي الأجيال إلى طريق العلم والمعرفة. إنه معالي الشيخ الأستاذ الدكتور/ راشد بن راجح بن محمد بن سلطان العبدلي الشريف الذي وافته المنية يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شهر صفر لعام 1448هـ، لقد رحل الشيخ الدكتور راشد بن راجح الشريف رحمه الله، بعد حياة حافلة بالعطاء، ومسيرة امتدت بين محراب العلم، وميدان الإدارة، ومجالس المسؤولية الوطنية، فكان ممن جمع الله لهم بين التأصيل العلمي، والخبرة الإدارية، والرؤية الواسعة، والسعي في أن يكون العلم أداة بناء وإصلاح.

إن الحديث عن الدكتور راشد الشريف ليس حديثًا عن منصبٍ تقلده، أو شهادةٍ حصل عليها، أو موقعٍ شغله فحسب، فهذه أمور وإن كانت تدل على جانب من مسيرته، إلا أن الرجال لا تقاس فقط بما كتب في سيرهم، وإنما بما تركوه في القلوب من محبة، وفي ميادين العمل من أثر، وفي الأجيال من قدوة.

لقد كان من أولئك الرجال الذين جاءت حياتهم في سياق مرحلة مهمة من مراحل النهضة التعليمية في بلادنا المملكة العربية السعودية؛ مرحلة كان الوطن فيها يبني مؤسساته العلمية، ويؤسس الجامعات، ويبحث عن رجال يجمعون بين العلم الشرعي والأكاديمي، وبين المحافظة على الأصالة، والانفتاح على آفاق المعرفة الجديدة.

ولهذا فسيكون الحديث عن سيرته -رحمه الله- في عدة وقفات:

ولد الشيخ الدكتور راشد بن راجح بن محمد بن سلطان العبدلي الشريف عام 1356هـ، في قرية العلاوة التابعة لمحافظة تربة قرب الطائف، توفي والده وهو صغير لم يتجاوز العاشرة من عمره، فتولى رعايته والدته وأخوه الأكبر، نشا في بيئة عرفت قيمة العلم، فقد كان والده الشريف راجح رحمه الله حكيماً، ذا معرفة متميزة، وفلكياً، وشاعراً بارزا في الفصحى والشعبية، وكان بليغا شجاعاً، وقامة رفيعة في قومه.

وأحسب أن معالي الدكتور راشد -رحمه الله- ورث من والده من هذا شيئًا كثيرًا.

تربى على الجد والاجتهاد، ومضى في طريق التعليم حتى أصبح العلم عنده رسالة يحملها، وأمانة يؤديها. كانت رحلته العلمية شاهدًا على أن الطموح إذا اقترن بالإخلاص، والعمل الجاد، فتح الله لصاحبه أبوابًا واسعة من العطاء، هكذا نحسبه والله حسيبه.

تلقى تعليمه في المرحلة الابتدائية إلى الصف الرابع في مدرسة العلاوة في تربة التي فتحت عام 1369هـ، ثم اكمل الدراسة في المدرسة العزيزية في الطائف، ثم المرحلة المتوسطة والثانوية في دار التوحيد، وكان في كل مراحل تعليمه - بعد توفيق الله ورعايته - متميزاً متقدماً على أقرانه بذكائه وتحصيله وجديته.

ثم اتجه إلى مكة المكرمة، حيث نهل من معينها العلمي، والتحق بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، في بيئة كانت ولا تزال من أعظم البيئات العلمية، تلك البيئة التي حملت إرث الحرم المكي الشريف، وعرفت حلقات العلماء، وقدّمت للأمة أجيالًا من الفقهاء والمربين والدعاة، فتخرج منها بامتياز، وكان ترتيبه الأول.

ثم واصل مسيرته العلمية، ابتُعث إلى الخارج معيداً في الكلية، فالتحق بجامعة كامبردج في بريطانيا، ونال منها درجة الدكتوراه، وكان موضوع رسالته في اللغة العربية المقارنة بين ألفية بن معطي وألفية بن مالك في علم النحو، في رحلة علمية أضافت إلى تكوينه بعدًا آخر، ومزجت بين عمق التخصص، والاطلاع على تجارب التعليم الجامعي في العالم، ثم عاد إلى وطنه يحمل علمًا وخبرة، فخير ما يقدمه الإنسان لوطنه هو أن يجعل علمه في خدمة مجتمعه وأمته.

كانت جامعة أم القرى محطة بارزة في حياته، بل كانت من أبرز الصفحات التي ارتبط بها اسمه؛ فقد كان من رجالات المرحلة التي شهدت انتقال التعليم الجامعي في مكة المكرمة إلى آفاق أوسع، وتحول المؤسسات التعليمية القائمة إلى جامعة تحمل اسم أم القرى، بما لهذا الاسم من دلالة عميقة ومكانة رفيعة.

بدأ مسيرته الأكاديمية أستاذاً في كلية الشريعة ثم عميداً. ثم عندما صدر الأمر الملكي الكريم بإنشاء جامعة أم القرى عام 1401هـ تم اختياره ليكون أول مدير لها، فحمل مسؤولية كبيرة في مرحلة التأسيس والبناء، وهي مرحلة تحتاج إلى رجال يجمعون بين الرؤية والصبر، وبين المعرفة والقدرة على الإدارة، وبين الحزم والحكمة. فإدارة المؤسسات العلمية لها خصوصياتها، لأن الجامعة تتعامل مع العقول، وتصنع الأجيال، وتؤثر في مستقبل المجتمع.

إن تأسيس الجامعة ليس قرارًا إداريًا فحسب، بل هو مشروع حضاري يحتاج إلى رؤية بعيدة، وصبر طويل، وقدرة على الجمع بين المحافظة على الهوية العلمية الراسخة، والاستجابة لمتطلبات العصر.

ولقد كان حريصًا على أن تكون جامعة أم القرى جامعةً تحمل اسمها بكل ما فيه من رمزية، وأن تكون منارةً للعلم الشرعي، والإنساني، والتطبيقي، وأن تواصل دورها في نشر المعرفة وبناء العلماء والمتخصصين، ومن هنا فقد أشرف على التوسع في الكليات والبرامج الأكاديمية، ودعم البحث العلمي، والدراسات العليا، وأسهم إسهاماً كبيراً في تطوير البيئة الأكاديمية والإدارية للجامعة.

فبنى الأنظمة، ورسخ اللوائح، وكون الكوادر، واستقطب الكفاءات، وأوجد البيئة التي تجعل الأستاذ، والطالب، والإداري شركاء في صناعة النجاح.