رئيس جامعة الرياض للفنون لـ «الرياض»
نسعى لتهيئة جيل رفيع المستوى ليتمكن من المهن الجديدة

في ظل الحراك الثقافي والفني المتسارع الذي تشهده المملكة، وما أحدثته رؤية 2030 من تحول نوعي في المشهد الثقافي، تبرز جامعة الرياض للفنون بوصفها منصة أكاديمية تسهم في تأهيل المواهب الوطنية وتعزيز حضورها الفن والإبداعي. وفي هذا الحوار، يتحدث الدكتور محمد حسن علوان، رئيس جامعة الرياض للفنون، عن دور الجامعة ورسالتها، وما تقدمه للمواهب والطلاب، وإسهامها في الحراك الثقافي، ورؤيتها في دعم مستهدفات رؤية المملكة 2030 وبناء مستقبل أكثر ازدهارًا للفنون والثقافة. الجامعة والتحول الثقافي بوجود أقسام للفنون في الجامعات السعودية القائمة، والعديد من معاهد التدريب المتخصص في مجالات الثقافة، بالإضافة إلى برنامج الابتعاث الثقافي، ما الدافع وراء إنشاء جامعة الرياض للفنون كجامعة متخصصة؟ الدافع الأساسي لإنشاء جامعة الرياض للفنون يكمن في مواكبة النمو المتسارع الذي تشهده قطاعات الثقافة والفنون والصناعات الإبداعية في ظل التحول التنموي الكبير الذي تشهده المملكة. هذا التحول ضاعف من حجم الطلب على المحتوى الثقافي الاحترافي، وعلى الكفاءات المتخصصة القادرة على إنتاجه وإدارته وتطويره وفق أعلى المعايير. ولا شك أن أقسام الفنون في الجامعات السعودية، ومعاهد التدريب المتخصصة، وبرنامج الابتعاث الثقافي، جميعها تؤدي أدواراً مهمة ومتكاملة في بناء القدرات الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نرى وجود احتياج فعلي لمؤسسة جامعية متخصصة تكون الثقافة والفنون محور رسالتها بالكامل، وليست جزءاً من نطاق أكاديمي أوسع. ومن هنا جاءت جامعة الرياض للفنون، لتكرّس كامل إمكاناتها الأكاديمية والبحثية والبشرية لتقديم منتج أكاديمي متخصص بمعايير عالمية يغطي مختلف قطاعات الثقافة والفنون. كيف يرتبط إطلاق جامعة الرياض للفنون برؤية السعودية 2030 والتحول الثقافي الذي تشهده المملكة؟ ترتبط جامعة الرياض للفنون برؤية السعودية 2030 ارتباطاً مباشراً، فالجامعة تسعى إلى بناء الكفاءات القادرة على تحويل الحراك الثقافي المتنامي إلى معرفة مؤسسية وممارسة مهنية وإنتاج ثقافي وإبداعي مستدام. وهذا يلتقي مع محاور الرؤية الثلاثة، فالثقافة والفنون عنصر أساسي في بناء مجتمع حيوي يعتز بهويته وثقافته، والصناعات الثقافية والإبداعية أصبحت جزءاً من اقتصاد مزدهر يخلق فرصاً جديدة للعمل والاستثمار، كما أن تمكين المبدعين السعوديين وتقديم إنتاجهم إلى العالم يسهم في تحقيق طموح المملكة وتعزيز حضورها الثقافي دولياً. وهو ما ينسجم أيضاً مع مرتكزات الاستراتيجية الوطنية للثقافة: الثقافة كنمط حياة، والثقافة من أجل النمو الاقتصادي، والثقافة من أجل تعزيز مكانة المملكة دولياً. سيتجاوز إسهام القطاع الثقافي في الاقتصاد السعودي حاجز الثمانين مليار ريال خلال العقد المقبل حسب الدراسات الاقتصادية. ومثل هذا النمو سيخلق احتياجاً ماساً لمنظومة أكاديمية وبحثية قادرة على رفد القطاع بالمعرفة والمهارات والممارسين والقادة. لذلك، لا ننظر إلى جامعة الرياض للفنون باعتبارها نتيجة للتحول الثقافي فحسب، بل باعتبارها إحدى الأدوات التي ستسهم في استدامته. القبول وبناء البرامج ما المعايير التي حكمت اختيار الكليات التي تنطلق بها الجامعة في عامها الأكاديمي الأول؟ معايير اختيار كليات السنة الأولى أربعة: حاجة القطاع إلى كفاءات متخصصة، ووجود قاعدة من المواهب والطلب على الدراسة، وملاءمة التخصص للتعليم التطبيقي، وجاهزية برامج الكلية أكاديمياً وتشغيلياً بما في ذلك الشراكة والمرافق وأعضاء هيئة التدريس. وقد انطبقت هذه المعايير بشكل أكبر على أربع كليات أكاديمية وهي: كلية الأفلام، وكلية الموسيقى، وكلية المسرح والفنون الأدائية، وكلية الإدارة الثقافية. وذلك عبر ثمانية برامج تتنوع بين الدبلوم والبكالوريوس والماجستير. وبهذا تكتمل المرحلة الأولى من تأسيس الجامعة، ويجري العمل حالياً على استكمال تأسيس الكليات التسع المتبقية وبرامجها الأكاديمية وستنطلق بإذن الله على مرحلتين مقبلتين. ما معايير قبول الطلاب؟ وكيف وجدتم الإقبال على التخصصات التي طُرحت هذا العام من قبل الطلاب المتقدمين؟ المعيار الأساس في قبول الطالب هو مدى جاهزيته على استيفاء متطلبات البرنامج، وقدرته على التطور في تخصصه. ونقيس هذه الجاهزية والقدرة بناءً على متطلبات تختلف من تخصص لآخر وتشمل المؤهلات الأكاديمية، وملف الأعمال، والمقابلة، وتجربة الأداء، والاختبارات المتخصصة. أما الإقبال فكان لافتاً منذ إعلان بدء التسجيل في دورة القبول الأولى، إذ تلقّت الجامعة الآلاف من طلبات الالتحاق بالبرامج المطروحة. ولم تكن الدلالة في العدد وحده، فقد أظهرت ملفات الأعمال والمقابلات وتجارب الأداء حضور مواهب جادة تمتلك استعداداً حقيقياً للتعلم والتطور، ما يؤكد على أن دراسة الفنون أصبحت خياراً أكاديمياً ومهنياً واضحاً لدى شريحة واسعة من المجتمع. النموذج الأكاديمي والطالب وأعضاء هيئة التدريس ما الذي يميز النموذج الأكاديمي للجامعة عن النماذج التقليدية في تعليم الفنون، وكيف ينعكس ذلك على تجربة الطالب؟ ما يميز النموذج الأكاديمي في جامعة الرياض للفنون أنه لا يفصل بين التعليم والممارسة، ولا يؤجل الاحتراف إلى ما بعد التخرج. فالطالب يبدأ منذ يومه الأول في ممارسة تخصصه داخل الاستوديو أو المسرح أو موقع التصوير، ويتعلم من خلال مشاريع وتطبيقات عملية تتدرج في تعقيدها وارتباطها بالقطاع طوال سنوات الدراسة. كما أن الجامعة تنطلق من طبيعة الفنون نفسها بوصفها مجالات متداخلة لا تعمل في عزلة. فصناعة الفيلم، على سبيل المثال، تجمع الصورة والصوت والأداء والكتابة والتصميم والإنتاج، كما تتقاطع الفنون الأدائية مع التقنية والإدارة والإنتاج. ولذلك نتيح للطلاب فرصاً للعمل عبر التخصصات إلى جانب العمل الفردي، بما يطور قدرتهم على التعاون والتجريب والنقد وعرض أعمالهم أمام الجمهور. وفي الوقت نفسه، لا نفرض نموذجاً تعليمياً واحداً على جميع التخصصات. فلكل مجال فني طبيعته وأدواته وأساليب تدريسه وتقييمه، ولذلك صُممت التجربة الأكاديمية في كل كلية بما يناسب تخصصاتها، ضمن إطار مشترك يضمن جودة أكاديمية عالية ومعايير واضحة على مستوى الجامعة. ونحرص كذلك على أن يكون الطالب قريباً من التحولات التي تعيد تشكيل الممارسة الفنية والثقافية اليوم، ولذلك تدخل ريادة الأعمال والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة في تجربته التعليمية، من البحث والتجريب إلى الإنتاج والتقييم، بحسب طبيعة كل تخصص. فالهدف ليس فقط أن يتقن الطالب صنع العمل الفني، بل أن يفهم أيضاً جمهوره وحقوقه وموارده، وأن يعرف كيف يحوّل الفكرة إلى مشروع أو ممارسة مهنية قابلة للاستمرار. ما المعايير التي اعتمدتها الجامعة في اختيار أعضاء هيئة التدريس؟ وما موقع فهم السياق السعودي ضمن هذه المعايير؟ المعيار الأهم لدينا في اختيار أعضاء هيئة التدريس هو الكفاءة الأكاديمية والقدرة التدريسية. نبحث عن أستاذ متمكن من تخصصه، يمتلك تأهيلاً أكاديمياً رصيناً وخبرة ذات صلة، والأهم أن تكون لديه القدرة على تحويل معرفته وخبرته إلى تجربة تعليمية حقيقية تطور الطالب وتدفعه إلى التفكير والممارسة والإبداع. ونسعد بأن الجامعة تمكنت منذ عامها الأول استقطاب هيئة تدريس عالية التنوع، تضم أكاديميين وممارسين من جنسيات ومدارس وخلفيات ثقافية ومهنية متعددة، ولا يغيب عنها بطبيعة الحال الأكاديميون والممارسون السعوديون، الذين يشكلون جزءاً كبيراً من الفريق الأكاديمي والإداري للجامعة. ونرى في هذا التنوع قيمة أكاديمية كبيرة لأن تعليم الفنون بطبيعته يستفيد من تعدد المدارس والتجارب ووجهات النظر، ويتيح للطالب أن يتعلم في بيئة عالمية ثرية ومتنوعة. أما السياق السعودي، فلم نتعامل معه باعتباره إضافة جانبية إلى البرامج أو مسؤولية مرتبطة بثقافة عضو هيئة التدريس، بل جرى نسجه بصورة متكاملة داخل محتوى المقررات والمشاريع والتجارب التعليمية. حرصنا على أن يدرس الطالب المعرفة والممارسات وفق أفضل المعايير الأكاديمية العالمية، وفي الوقت نفسه أن يجد المملكة وثقافتها ومجتمعها وتراثها وتحولاتها المعاصرة حاضرة فيما يدرسه وينتجه ويبحثه. وقد تم ذلك دون الإخلال بالقوام العلمي والمعرفي للمقررات أو اختزالها في سياق محلي، بل عبر مواءمة مدروسة تحفظ للمادة عمقها الأكاديمي ومعاييرها العالمية، وتجعلها في الوقت نفسه أكثر اتصالاً بالبيئة التي سيعمل ويبدع فيها الطالب، وهذا التوازن يمثل إحدى نقاط القوة الأساسية في النموذج الأكاديمي لجامعة الرياض للفنون. الحوكمة والخصوصية النظامية ورد في النظام الأساس لجامعة الرياض للفنون أنها تتمتع بالشخصية الاعتبارية المستقلة باعتبارها مؤسسة تعليمية ذات طبيعة خاصة وغير هادفة للربح، وتتولى وزارة الثقافة الإشراف على أعمال الجامعة. هل يمكن تسليط الضوء بشكل أكبر على طبيعة الارتباط بوزارة الثقافة؟ حدّد النظام الأساس هذه العلاقة بوضوح: تتمتع الجامعة بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة، وتتولى وزارة الثقافة الإشراف على أعمالها، ويرأس سمو وزير الثقافة مجلس أمنائها. ويمنح ذلك الجامعة ارتباطاً استراتيجياً بالمنظومة الثقافية، مع حوكمة مؤسسية واضحة ومسؤولية مباشرة عن تحقيق أهدافها التعليمية. ويتجلى هذا الارتباط عملياً في مواءمة توجُّه الجامعة مع أولويات تنمية القطاعات الثقافية، وفتح قنوات تعاون مع الهيئات والمؤسسات والممارسين، وتحويل احتياجات القطاع إلى فرص للتعلم والبحث والتدريب. وفي المقابل، تتولى الجامعة عبر مجالسها ولوائحها مسؤولية برامجها ومعاييرها الأكاديمية وقراراتها التعليمية. وبذلك يتكامل الإشراف المؤسسي مع الاستقلال الأكاديمي. فالوزارة تربط الجامعة بطموح الاستراتيجية الوطنية للثقافة، والجامعة تترجم هذا الطموح إلى تعليم وبحث وإنتاج يخضع لمعايير أكاديمية واضحة. يمنح النظام الأساس جامعة الرياض للفنون خصوصيةً تتيح لها مرونةً أكاديمية وإدارية، مع التقيد بسياسات الدولة وتوجهاتها، كيف ستنعكس هذه الخصوصية على تطوير البرامج وإدارة الجامعة؟ تتيح هذه الخصوصية للجامعة أن تبني نموذجاً يلائم طبيعة تعليم الفنون، من تطوير المقررات واعتمادها على أسس متخصصة، إلى تنويع المؤهلات والمسارات التعليمية، وتصميم معايير القبول والتقييم، وبناء الشراكات، واستقطاب الخبرات. وتساعد هذه المرونة أيضاً على تحديث المحتوى وأساليب التعليم حين تتغير الممارسة الفنية والتقنية. وعلى المستوى الإداري، تمنح هذه الخصوصية مجلس الأمناء قدرةً أوسع على اعتماد اللوائح والهياكل والسياسات، وإدارة الموارد والشراكات والمرافق بما يخدم الأهداف الأكاديمية. كل هذا بالتأكيد يتم مع التزام الجامعة بسياسات الدولة وتوجهاتها، والتنسيق مع مجلس شؤون الجامعات فيما يتصل بسياسات التعليم الجامعي، وهيئة تقويم التعليم والتدريب فيما يتعلق بمعايير الاعتماد الأكاديمي. الشراكات والهوية السعودية ورد في موقع الجامعة الإلكتروني أن جامعة الرياض للفنون ستقدم مجموعةً واسعة من البرامج الأكاديمية بالشراكة مع مؤسسات أكاديمية دولية رائدة في تخصصها. ما طبيعة هذه الشراكات الأكاديمية؟ ولماذا اختير هذا النموذج من العمل الأكاديمي؟ تبني جامعة الرياض والفنون شراكاتٍ أكاديمية مع جامعات رائدة حول العالم بهدف تسريع بناء القدرات الأكاديمية للجامعة ونقل المعرفة والخبرة المتراكمة لدى هذه الجامعات بصورة مؤسسية ومستدامة. خلال ذلك يتم بشكل مشترك بين الطرفين بناء برامج تحافظ على قوامها العلمي ومعاييرها الأكاديمية العالمية، وتنسج داخلها السياق السعودي واحتياجات القطاع الثقافي في المملكة. اختير هذا النموذج الأكاديمي لأن الجامعة يجب ألا تبدأ من الصفر، وإنما من حيث وصلت إليه أفضل المؤسسات الأكاديمية في العالم. وذلك بحيث يكون لكل كلية شريك متخصص، له ثقله الأكاديمي وتاريخه وخبرته العميقة في المجال الذي تعمل فيه تلك الكلية. فعلى سبيل المثال، شريكنا في كلية الأفلام هو كلية الفنون السينمائية بجامعة جنوب كاليفورنيا (USC School of Cinematic Arts)، وهي من أقدم كليات السينما في الولايات المتحدة، ولها إرث وتأثير كبيران في صناعة السينما والتلفزيون عالمياً. وفي كلية الموسيقى، نتعاون مع جامعة جيلدهول للموسيقى والدراما (Guildhall School of Music & Drama) في لندن، وتعد من أعرق المؤسسات المتخصصة في تعليم الموسيقى والفنون الأدائية في العالم. أما في كلية المسرح والفنون الأدائية، فشريكنا هو الأكاديمية الأميركية للموسيقى والدراما، وتمتلك خبرة تمتد لأكثر من ستة عقود في التدريب المهني المتخصص للممثلين والموسيقيين وفناني الأداء المسرح. وفي كلية الإدارة الثقافية، نتعاون مع كلية إيسيك للأعمال (ESSEC Business School) الفرنسية، وهي من أعرق كليات إدارة الأعمال الأوروبية، وتصنف اليوم ضمن كليات الأعمال الرائدة عالمياً، وتتمتع باعتمادات أكاديمية دولية مرموقة. ذكر سمو وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود أن الجامعة تنطلق بهوية سعودية ومعايير عالمية. كيف ستترجم الجامعة هذه المعادلة عملياً في ظل شراكاتها مع مؤسسات أكاديمية دولية؟ لا نرى تعارضاً بين الهوية السعودية والمعايير العالمية، بل نرى أن الجمع بينهما هو جوهر النموذج الذي نبنيه. وعملياً، تبدأ الهوية السعودية من صميم التجربة الأكاديمية. هناك مقررات مشتركة تعرّف جميع الطلاب بالثقافة والتراث والسياق السعودي، وتعزز صلتهم باللغة العربية والقيم الإسلامية والهوية الوطنية. ثم يمتد هذا الحضور إلى داخل كل تخصص ومقرراته ومشاريعه، بحيث لا يكون السياق السعودي مادة منفصلة أو إضافة هامشية، وإنما جزءاً أصيلاً من المعرفة والممارسة التي يتلقاها الطالب. سوق العمل والقطاع الثقافي هناك تصور شائع بأن فرص العمل في مجالات الفنون محدودة. إلى أي مدى يعكس ذلك الواقع؟ وكيف تربط الجامعة تصميم برامجها باحتياجات سوق العمل؟ هذا التصور يعود إلى مرحلة كانت فيها القطاعات الثقافية والفنية في المملكة أصغر حجماً، وكانت مساراتها المهنية أقل وضوحاً وتنظيماً. أما اليوم فنحن أمام واقع مختلف تماماً، فالثقافة أصبحت قطاعاً اقتصادياً متنامياً، تتوسع مؤسساته ومشاريعه واستثماراته، وتتعدد معه المهن والفرص الوظيفية. وتشير دراسات الوزارة إلى نمو الوظائف في القطاع الثقافي بنحو 7% سنوياً، وصولاً إلى أكثر من 346 ألف وظيفة بحلول عام 2030. وهذه الوظائف لا تقتصر على الفنان أو المبدع وحده، فخلف كل فيلم أو مسرحية أو حفل موسيقي أو معرض أو متحف منظومة متكاملة من المهن في الإنتاج والتقنية والتصميم والإدارة والتسويق والبحث والتوزيع وإدارة الحقوق وغيرها. أما ارتباط برامج الجامعة بسوق العمل، فنحن ننظر إليه من منظور يتجاوز إعداد الطالب لشغل وظيفة محددة قائمة اليوم. هدفنا هو أن يتخرج الطالب بتأهيل أكاديمي ومهني رفيع، وبمعرفة ومهارات تمكّنانه ليس فقط من المنافسة في المهن القائمة، بل والتكيف مع المهن الجديدة التي ستنشأ مع التطورات التقنية والتحولات المتسارعة في القطاعات الثقافية والإبداعية، بل والقدرة على صناعة الفرص وابتكار نماذج جديدة للعمل والممارسة المهنية، بحيث يسهم مستقبلاً في تطوير القطاع نفسه وتوسيع سوقه وخلق فرص جديدة للآخرين. كيف ستمكّن جامعة الرياض للفنون طلابها من الانتقال من الموهبة إلى الاحتراف؟ وما المسارات المهنية التي يفتحها هذا التعليم لهم؟ الموهبة هي نقطة البداية، لكنها وحدها لا تصنع محترفاً. الانتقال إلى الاحتراف يتطلب معرفة أكاديمية رصينة، وإتقاناً للصنعة، وممارسة مستمرة، وانضباطاً في العمل. وهذا تحديداً ما نسعى إلى بنائه لدى الطالب منذ دخوله الجامعة وحتى تخرجه. فالتخصص الأكاديمي في الجامعة لن يكون نظرياً فقط، بل سترافقه ممارسة تطبيقية تتدرج في مستواها عبر سنوات الدراسة. سيتعلم من خلالها الطالب كيف يحوّل الفكرة إلى عمل مكتمل، وكيف يعمل ضمن فريق، ويدير الوقت والموارد والميزانية، ويتلقى النقد ويستفيد منه، ويفهم حقوقه ومسؤولياته المهنية. كما نتيح له الاحتكاك بالممارسين والخبراء والقطاع، بحيث لا تكون الجامعة بيئة منفصلة عن الواقع المهني الذي سينتقل إليه. أما المسارات المهنية فهي أوسع بكثير من الصورة التقليدية للمهن الفنية. فخريج الأفلام، على سبيل المثال، أمامه مجالات الكتابة والإخراج والتصوير والمونتاج والصوت والمؤثرات والإنتاج، وفي المسرح والفنون الأدائية تتنوع الفرص بين الأداء والإخراج والكتابة والتصميم والإنتاج وإدارة المسرح، وفي الموسيقى بين الأداء والتأليف والإنتاج والتعليم، وفي الإدارة الثقافية بين إدارة المؤسسات والمشاريع والبرامج والفعاليات والتسويق والشراكات وريادة الأعمال الثقافية. كيف ستكون علاقة الجامعة بالصناعات الثقافية والفنية القائمة؟ وما الدور الذي يؤديه ممارسو القطاع الثقافي في إثراء البرامج؟ ننظر إلى العلاقة بوصفها شراكةً متبادلة. فالقطاع يغذي الجامعة بتحولاته واحتياجاته وتحدياته الواقعية، والجامعة تمنحه كفاءاتٍ مؤهلة وأبحاثاً متقدمة وأفكاراً قابلة للتطوير. وقد أتاح النظام الأساس للجامعة التعاون مع منشآت القطاع الثقافي والقطاعات الأخرى في التدريب على رأس العمل، وهو ما يفتح مجالاً لتصميم خبرات تعليمية ترتبط بالممارسة الحقيقية. ويسهم الممارسون في مراجعة البرامج، وتقديم المحاضرات وورش العمل، والإرشاد، ونقد مشاريع الطلاب، وطرح تحديات ومشاريع مستمدة من الواقع المهني. وتكمُن قيمة حضورهم في نقل المعرفة التي تتشكل داخل الاستوديو والمسرح وموقع التصوير والمؤسسة الثقافية، وربطها بالأساس الأكاديمي الذي تقدّمه الجامعة. العام الأكاديمي الأول ما المؤشرات التي ستستدلون بها على مدى نجاح انطلاقة الجامعة؟ وما أبرز ما ستركزون عليه في العام الأكاديمي الأول؟ المعيار الأهم لنجاح الجامعة في عامها الأول وبقية أعوامها بإذن الله هو قدرتها على تقديم تجربة طالب مكتملة ومتميزة من جميع النواحي. فالجامعة في النهاية هي تجربة متكاملة تبدأ منذ اللحظة التي يدخل فيها الطالب إلى الجامعة، وتمتد إلى جودة ما يتعلمه، وعلاقته بأعضاء هيئة التدريس، وسهولة حصوله على الخدمات، وجودة المرافق والتجهيزات، والأنشطة والحياة الجامعية، وشعوره بالانتماء إلى مجتمع أكاديمي وفني حيوي ومحفز. ولهذا سننظر إلى نجاح الانطلاقة من خلال تجربة الطالب في مجملها. أكاديمياً، سنراقب جودة التدريس، وتقدم الطلاب، ومخرجات التعلم، ومستوى المشاريع والأعمال التي ينتجونها. وعلى مستوى التجربة الجامعية، سنهتم بجودة الإرشاد والدعم والخدمات، وكفاءة الأنظمة والمرافق والاستوديوهات والمسارح والتجهيزات، والفرص التي نتيحها للطالب للتفاعل مع زملائه وأساتذته والممارسين والقطاع الثقافي. وسنولي اهتماماً كبيراً لصوت الطالب نفسه. سنستمع بصورة منتظمة إلى طلابنا وأعضاء هيئة التدريس، ونقيس مستوى الرضا والتفاعل، ونرصد التحديات منذ ظهورها ونتعامل معها بسرعة. وفي جامعة جديدة، أعتقد أن القدرة على التعلم والتحسين المستمر لا تقل أهمية عن جودة ما بدأنا به، لأن العام الأول سيكشف لنا عملياً أين نجحنا وأين يمكن أن نكون أفضل. المستقبل والتوسع ما خطط التوسع المستقبلية للجامعة؟ وكيف تتوقعون تأثيرها في المشهد الثقافي خلال العقد القادم؟ تقوم خطة التوسع في الجامعة على مبدأ التدرج المدروس، بحيث لا يكون التوسع هدفاً في حد ذاته، وإنما نتيجة لجاهزية كل كلية وبرامجها وشراكاتها وكوادرها الأكاديمية. فالجامعة تنطلق بأربع كليات، ونعمل خلال السنتين إلى الثلاث سنوات المقبلة على إضافة عدد من الكليات والتخصصات الجديدة تباعاً، وفق مستوى الجاهزية وضمان قدرتنا على تقديم تجربة أكاديمية وطلابية بالمستوى الذي نطمح إليه. وتستهدف الجامعة في مراحل نموها المختلفة الوصول إلى ثلاث عشرة كلية تغطي طيفاً واسعاً من القطاعات الثقافية والفنية، من الموسيقى والأفلام والمسرح والفنون الأدائية، إلى التصميم والعمارة، والفنون البصرية والتصوير، والأزياء، ودراسات المتاحف والتراث، والآداب واللغات، والمكتبات والمخطوطات، وفنون الطهي، والإدارة والتعليم الثقافيين. وسيصاحب ذلك توسع في البرامج والدرجات الأكاديمية والبحث العلمي والشراكات المحلية والدولية. أما خلال العقد القادم، فنطمح أن يتجاوز أثر الجامعة تخريج الكفاءات إلى الإسهام في تشكيل المشهد الثقافي نفسه، من خلال إنتاج المعرفة والبحث والتوثيق، وتطوير الممارسات والأعمال والمشاريع الثقافية، ودعم ريادة الأعمال، وتعميق التعاون بين التخصصات، وبناء أجيال جديدة من الأكاديميين والممارسين والقيادات الثقافية. وطموحنا على المدى البعيد أن تصبح جامعة الرياض للفنون مركزاً إقليمياً ودولياً مؤثراً في تعليم الفنون والبحث والإنتاج الثقافي، وذلك عن طريق جودة الخريجين والمعرفة والأعمال التي تنتجها الجامعة، وقدرة هذا المنجز السعودي على أن يجد لنفسه مكاناً وقيمةً وصوتاً أصيلاً في العالم. الذكاء الاصطناعي ومستقبل التعليم الفني كيف ستدمج الجامعة الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة في رحلة الطالب الأكاديمية، من التعلّم والبحث إلى الإنتاج والتقييم؟ وما المهارات الإنسانية التي ستظل أساسيةً في تكوينه؟ نتعامل مع الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة باعتبارها جزءاً من مستقبل الفنون والصناعات الإبداعية، ولذلك لا نريد للطالب أن يقف منها موقف المتلقي، بل أن يفهمها ويجربها ويوظفها بوعي في رحلته الأكاديمية. وبالتالي، ستدخل هذه التقنيات في التجربة التعليمية بحسب طبيعة كل تخصص، فتُستخدم في البحث وتطوير الأفكار واختبارها، وفي المحاكاة والإنتاج والتحرير والعرض، إلى جانب تحليل الأعمال وتوثيق مراحل تطويرها. والمهم أن يتعلم الطالب متى يستخدم التقنية، ولماذا يستخدمها، وكيف يقيّم ما تنتجه بدلًا من الاكتفاء بتلقّيه. وينعكس ذلك أيضًا على أساليب التعليم والتقييم، إذ لا يقتصر الاهتمام على المنتج النهائي، بل يمتد إلى مسار الفكرة، والبحث الذي أجراه الطالب، والاختيارات التي اتخذها، وما أضافه بنفسه، وكيف أفصح عن استخدام الأدوات التقنيّة، وراعَى حقوق الملكية الفكرية والخصوصية. وبهذا يصبح الاستخدام الواعي والمسؤول للتقنية جزءًا من تكوينه الأكاديمي والمهني. وفي الوقت نفسه، ستظل المعرفة بالسياق، والذائقة، والتفكير النقدي، والحكم الأخلاقي، والعمل الجماعي، والصوت الإبداعي الشخصي مهاراتٍ أساسيةً في تكوين الطالب. فالتقنية توسّع إمكانات الفنان، لكنها لا تحل محل رؤيته، والذكاء الاصطناعي قد يولّد الاحتمالات، لكن الإنسان هو من يختار المعنى. د. محمد حسن علوان