رئيس التحرير: الصحافة تحفظ ذاكرة الوطن

أكد رئيس التحرير الأستاذ هاني فريد وفا، أن دور الصحافة في توثيق مسيرة الوطن يتجاوز نقل الخبر الآني إلى حفظ الذاكرة ورصد التحولات وتقديمها للأجيال، مشددًا على أن المصداقية تبدأ من المصدر، وأن تطور أدوات الإعلام لا يعفي الصحافي من البحث والتدقيق والتحقق من المعلومة قبل نشرها. جاء ذلك خلال الجلسة الحوارية (الوطن في عناوين الصحف) التي أقامها المقهى الصحافي بالتعاون مع جمعية الصحفيين السعوديين، برعاية مكتبة التعاون العامة، في بيت الثقافة بالرياض. وأدار الجلسة الكاتب والمذيع والمستشار الإعلامي سلطان السعد القحطاني، وتناولت حضور الوطن في الصحافة، وتحولات المهنة، وسبل تقديم المنجز الوطني للأجيال الجديدة، إلى جانب مستقبل الصحافة في ظل التحولات الرقمية وتغير أنماط تلقي الجمهور للمحتوى. وتوقف الأستاذ هاني وفا عند سؤال إبقاء القصة الوطنية حاضرة في الذاكرة، موضحًا أن ذلك يتحقق بتناقلها بين الأجيال والبناء عليها، وألا يقتصر استحضارها على المناسبات السنوية. وأشار إلى أن اليوم الوطني، على سبيل المثال، يمثل فرصة لاستعادة مسيرة التحول وطرح سؤالين: كيف كنا، وكيف أصبحنا؟ بما يتيح للجيل الجديد التعرف إلى ظروف الأجيال السابقة وتحدياتها، وفهم المراحل التي مر بها الوطن حتى بلغ ما يشهده اليوم من تطور. ورأى أن الصحافة تضطلع بمسؤولية توثيق هذه التحولات وحفظ تفاصيلها وربط الحاضر بالماضي، بما يجعل القصة الوطنية ممتدة في الذاكرة، لا مرتبطة بحدث أو مناسبة تنتهي بانتهائها. وفي حديثه عن تقديم قصص الإنجازات الوطنية، أشار إلى أهمية تجاوز النقل الخبري المباشر إلى مواد أكثر عمقًا، تستند إلى المعلومات والحوارات والقصص الإنسانية، وتبحث في أثر الإنجاز على الفرد والمجتمع. وأكد أهمية أن يكون المواطن جزءًا من القصة، لا مجرد متلقٍ لها، وأن تُعرض التحولات والمنجزات من خلال تجارب الناس وما أحدثته في حياتهم، مع مراعاة لغة الجيل الجديد والمنصات التي يتفاعل معها. وأوضح أن ذلك يضع أمام الصحافي مهمة تتجاوز تسجيل الواقعة إلى البحث عما وراءها، وقراءة سياقها، والوصول إلى تفاصيل تجعل الخبر أكثر قدرة على البقاء والتأثير. وشدد رئيس التحرير على أن وفرة المعلومات في المنصات الرقمية لا تعني بالضرورة صحتها، مؤكدًا ضرورة معرفة مصدر المعلومة والتحقق منها قبل البناء عليها صحافيًا. وبيّن أنه قد يطّلع على ما ينشر عبر منصة (إكس) وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن ما يُتداول فيها لا يُعتمد تلقائيًا مصدرًا، بل لا بد من الرجوع إلى أصل المعلومة وتدقيقها والتأكد من صحتها. فقيمة الخبر لا تأتي من حجم تداوله أو كثرة المعلومات المحيطة به، وإنما من دقته ومصداقيته ووضوح مصدره. وتطرق الحوار إلى حضور الإعلام السعودي باللغات الأجنبية، حيث رأى وفا أن الوصول إلى جمهور مختلف لا يقوم على نقل النص العربي حرفيًا إلى لغة أخرى، بل يتطلب صياغة الرسالة بما يلائم لغة المتلقي وثقافته وطريقة استقباله للمحتوى. وأشار إلى وجود تجارب إعلامية باللغة الإنجليزية ومحاولات يمكن البناء عليها للوصول إلى جماهير بلغات أخرى، ومنها الصينية، مؤكدًا أهمية تقديم الرسالة بصورة تمكّن المتلقي من فهمها والتفاعل معها. كما لفت إلى أهمية امتلاك الصحافي لغة أخرى إلى جانب أدواته المهنية، موضحًا أن اتساع معارف الصحافي ومهاراته اللغوية وقدرته على استخدام أدواته يزيد من قدرته على الوصول إلى شرائح أوسع. وأكد الأستاذ هاني وفا أن الموهبة وحدها لا تكفي لصناعة التميز، بل تحتاج إلى تدريب وممارسة وخبرة متراكمة. فالكتابة والإلقاء والعمل الإعلامي، وإن ارتبط بعضها بقدرات فطرية، تحتاج إلى الصقل والتطوير المستمر. وتناول أهمية التواصل بين الكاتب والقارئ والجيل الجديد، وما تتيحه اللقاءات والحوارات والدورات من فرص لنقل الخبرات وتبادل الأفكار، موضحًا أن الدراسة الأكاديمية تمثل جانبًا من التأهيل، فيما تظل الممارسة والاحتكاك بالواقع عنصرين أساسيين في تشكيل الصحفي وتطوير أدواته. وحضر الحنين إلى الصحافة الورقية في الحوار، حين سُئل وفا عما إذا كان لا يزال يحتفظ بالحنين النسخة الورقية. واستعاد ما تمثله من ذاكرة خاصة في تجربة الصحافي، وما ارتبط بها من صناعة العنوان واختيار الخبر الأبرز وتقديمه إلى القارئ. وأشار إلى التحول الكبير الذي شهدته الصحافة في أدواتها وطرق إنتاجها ووصولها إلى الجمهور، مع إتاحة المحتوى عبر منصات ووسائط متعددة، إلا أن النسخة الورقية تظل محتفظة بقيمتها الرمزية لدى من عاشوا تجربة الصحافة الورقية. وفي المقابل، تواجه الصحافة تحديًا يتمثل في التعامل مع قارئ تغيرت عاداته ووسائله، ما يفرض على المؤسسات الإعلامية تطوير أساليبها للوصول إليه، مع الحفاظ على أساسيات المهنة وقيمها. وعن التقنيات الحديثة والأدوات الرقمية، دعا رئيس التحرير إلى الاستفادة منها بحذر، وعدم الاعتماد عليها اعتمادًا كاملًا، لافتًا إلى أنها قد تكون أداة مساندة للصحافي، لكنها لا تعفيه من مسؤولية المراجعة والتحقق. فالمعلومة، مهما كان الوصول إليها سريعًا، تحتاج إلى عين صحافية تراجعها وتدققها وتضعها في سياقها، ويبقى الصحفي مسؤولًا عما ينشره وعن توظيف أدواته بما يخدم المهنة ويحافظ على مصداقيتها. واختُتمت الجلسة بالتأكيد على أن مستقبل الصحافة يرتبط بقدرتها على مواكبة التحولات وتطوير أدواتها مع الحفاظ على جوهرها المهني فالمنصات تتغير ووسائل الوصول إلى الجمهور تتجدد، فيما تبقى المصداقية والتحقق من المصدر وحفظ حكاية الوطن والإنسان من ثوابت العمل الصحافي.