.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
لم يبدأ الموت كفاجعة،بل كطرد غريب،لم يأتِ بوقاحة اللصوص وشراستهم،بل تسلّل كعطر خائن..... كما يتسلّل الشيب في مفرق حلم لم يكتملكسهو أريستقراطيّ نرتكبه ونحن نبتسم بكبرياء باطل،مدّعين أنّ الأرواح الكبيرة لا تشغل بالها بتفاصيل المارّة.وأن الذاكرة تتدلّل على أصحابهاغير أنّ الهاوية ككلّ الخيانات الكبرى:تتقن المشي على أطراف أصابعها،تحسن الدخول بلا ضجيجولا تدفع الأبواب،بل تقنعها بأنّها لم تكن موجودة.أقف أمام المرآة،الرداء هو الرداء... وهيبتي القديمة لا تزال تتشبّث بياقتي،لكنّ العينين بحيرتان من رماد أجهل تماماً هويّة غريقهما.أيّ شقاء هذا الذي يجعل النور عقاباً لا خلاصاً؟أن تنقشع غيبوبة اللحظة،لا لأفرح باليقظة،بل لأتحوّل إلى محقّق بائس يصل متأخراً إلى مسرح جريمته الشّخصية...أقيس بحنكة جرّاح منفيّ حجم العتمة التي ابتلعتني،فأجدني قد أهدرت قبل قليل... نصف قرن من الدفء!أنا الذي كنت أستحضر التاريخ وأهندس جغرافيا العواصم،أقف شحّاذاً على أرصفة الوعي،عاجزاً عن استرداد نبرة صوت قاسمتني يوماً رغيف القلب!الفلسفة كانت كذبتنا الأنيقة لنهادن بها المجهول؛أمّا الآن... وقد أكل العدم حوافّ أيامي،أدرك أنّ الوجود كلّه لم يكن فكرةً ولا نظريّة،بل قدرة رجل على أن ينظر في عين امرأته...ويناديها باسمها الأوّل، من دون أن يتلفّت حوله باحثاً عن نجدة!أيّ رعب هو ذاك الذي ينتظرنا في الغد؟أن أكون هنا... بكامل نبضي، بدفئي العتيق،بينما روحي نفيت إلى جزر ملح خرساء.أن تفيض عيناك بلهفة عمر لم يأت صاحبه بعد،فأردّ عليك بنظرة محايدة... كانت بيوم لطفلين بلا أسماءباردة كزجاج النوافذ في ليل باريسي مرهق.أخاف انكسارك أنت.. حين تمدّين يدك لتمسحي صقيعي،فتستيقظ في كفّك أعوامنا كلّها:شتاءات تقاسمنا بردها،وموائد كان الخبز عليهاأقلّ ضرورة من صوتك.أما أنا،فأراك واضحة إلى حدّ الفجيعة،قريبة بمقدار خطوة،وبعيدة بمقدار مجرّةانطفأت خرائطها في رأسي.فأتراجع خطوة إلى الوراء،خائفاً من لمسة امرأة أنفقت شبابها لتصنع ملامحي!كيف أتحمل أن تغرقي في دموعك،بينما أتأمّل بكاءك بفضول بليد.... كالجليدوأقول لك بتهذيب سمج وقاتل:"شكراً يا سيّدتي على كلّ هذا اللّطف... ولكن، من أذن لك بهذا القرب؟"أيّ عنف أشدّ قسوةً من أن تتحوّل رقتنا إلى زنزانة نعتقل بها حناجر أحبتنا؟أنا لا أخشى الموت،فالموت ختام يليق بالروايات الكبرى؛إنما يرعبني التلاشي على قيد الحياة...أن أصير تمثالاً من رخام مجوّف،يشاهد مملكته وهي تتساقط حجراً إثر حجر.أنا لا أخسر ماضيّ وحدي،بل أسلبك حتى حقك الشرعي في حزني...إذ كيف تبكين على رجل يجلس بمحاذاة خوفك،وهو لا يملك حتى حاسة الغياب؟خذي بيدي الآن...لا لتعيديني إليّ،فالطريق يتساقط خلفي،بل كي يحفظ جلديما سيعجز رأسي عن تذكّره.إضغطي عليها قليلاً؛لعلّ الألم، حين تنطفئ الأسماء،يبقى آخر شكل من أشكال اليقين.إضغطي عليها بقسوة العاشقين، حتى يشهد العظم على العظم؛فالعقل خائن محترف، يسلّم قلاعه في آخر نوبة حرس من الليل.تأملي هذا الزرّ المقلوب في قميصي جيداً؛فغداً، حين أعجز تماماً عن ربطه،لن أبحث عن نكتة ذكية أستر بها كبريائي،لأنني ببساطة...لن أعود قادراً على التمييزبين القميص الذي يستر جسدي،وبين هذا الجسد الذي يضيق اليوم... بفداحة غيابي!
كانت عائلتها توثّق تفاصيل حياتها اليومية، من اللعب وحضور مواعيدها الطبية، إلى قضاء الوقت مع أفراد عائلتها.