لم تكن ليلة افتتاح الدورة الرابعة والثلاثين لمهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية مجرد حفل فني على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، بل كانت ليلة وفاء وعرفان بالجميل لفنان عاش عمره كله مدافعًا عن الأغنية المصرية والعربية، الفنان الراحل أمير الغناء العربي هاني شاكر، الذي أُهديت إليه الدورة تكريمًا لمسيرة فنية وإنسانية استثنائية.
افتتحت فعاليات المهرجان بحضور الأستاذ الدكتور عبدالعزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بأعمال وزير الثقافة، والدكتور رضا الوكيل رئيس دار الأوبرا المصرية ورئيس مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية، والدكتور محمد الموجي مدير المهرجان، في ليلة حملت الكثير من المشاعر والذكريات.
وبعد تكريم رموز الفن والثقافة، عُرض فيلم تسجيلي استعرض محطات مهمة من رحلة هاني شاكر الفنية والإنسانية وعلاقته الوطيدة بجمهوره، قبل أن تقدم الفنانة نيفين رجب أغنية "في ناس تغيب" كتحية مؤثرة لاسم الفنان الذي غاب بجسده وبقي حاضرًا بفنه وأثره.
وكانت لحظة تكريم اسم هاني شاكر من أكثر لحظات الحفل تأثيرًا، حيث بدت مشاعر التأثر واضحة على أسرة الفنان الراحل؛ السيدة نهلة توفيق، والابن شريف، والحفيدين مليكة ومجدي. وبلغت المشاعر ذروتها عندما أعلن الأستاذ الدكتور عبدالعزيز قنصوة إقامة تمثال للفنان الراحل داخل دار الأوبرا المصرية، تخليدًا لذكراه وتقديرًا لقيمته الفنية باعتباره أحد أبرز رموز الغناء المصري والعربي.
وبين الدموع والتصفيق، وقفت السيدة نهلة توفيق أرملة الفنان الراحل هاني شاكر أمام جمهور المسرح الكبير، فيما بدا التأثر واضحًا على أفراد أسرته جميعًا. كانت لحظة اختلطت فيها مشاعر الفقد بالفخر، والحزن بالامتنان. فاسم هاني شاكر لم يكن يُكرم هذه الليلة بوصفه فنانًا كبيرًا فقط، بل بوصفه جزءًا من الوجدان المصري والعربي.
وقالت نهلة توفيق، وهي تكافح دموعها: "هاني هيفضل عايش في قلوبنا، ويرحل الجسد ويبقى الأثر"، مؤكدة أن تكريم اسمه في بلده مصر يحمل قيمة خاصة ومختلفة عن أي تكريم آخر. كما وجهت الشكر للرئيس عبدالفتاح السيسي على كلماته الإنسانية التي نعى بها أمير الغناء العربي عقب وفاته، مؤكدة أن هذا التقدير الرسمي والشعبي يعكس مكانة فنان أحب وطنه وجمهوره وأخلص لفنه حتى آخر يوم في حياته.
فنيًا، جاء الحفل محكمًا في تفاصيله، بقيادة المايسترو أحمد عاطف وإخراج مهدي السيد، بينما استحق مهندس الصوت خالد درويش إشادة خاصة بعد المستوى الذي ظهر به الصوت داخل المسرح الكبير، والذي جاء أكثر نقاءً وتوازنًا من حفلة عيد ميلاد الأوبرا، وهو ما انعكس بصورة واضحة على جودة الاستماع.
وتوالى نجوم الأوبرا والصوليست في تقديم باقة من أشهر أغنيات هاني شاكر، فغنى ياسر سعيد "نسيانك صعب أكيد"، وأحمد صبري "لسه بتسألي"، وأحمد عصام "الحلم الجميل"، وأحمد سعيد "يا ريتني"، ومحمد الخولي "أصاحب مين"، ومحمد طارق "غلطة"، وأشرف وليد "لو بتحب حقيقي"، وأحمد حسن "أنا مش بعتب عليك"، ومحمد شاهين "ياريتك معايا"، ومحمد حسن "جرحي أنا"، وأحمد عفت "إديني قلبي تاني".
كما تألقت الفنانة الكبيرة أنوشكا بأغنية "أنا قلبي ليك"، وأبدعت الفنانة الكبيرة نادية مصطفى بتأثرها وبأدائها لأغنيتي "مشتريكي" و"كده برضه يا قمر"، وسط تفاعل جماهيري كبير مع الأغنيات التي تمثل جزءًا أصيلًا من ذاكرة الغناء العربي.
لكن بعيدًا عن الأغنيات والتكريمات، فإن ليلة الافتتاح طرحت سؤالًا مهمًا حول معنى الوفاء في الوسط الفني.
لكن السؤال الذي فرض نفسه على هذه الليلة كان: أين بعض الفنانين الذين اعتذروا عن المشاركة؟
من حق أي فنان أن يختلف مع أي إدارة، ومن حقه أن يقبل أو يرفض أي تعاقد، لكن هناك لحظات ترتفع فوق الخلافات والحسابات الشخصية والمهنية.
وكانت ليلة تكريم هاني شاكر واحدة من تلك اللحظات.
لم تكن هذه الأمسية احتفالًا بإدارة الأوبرا أو إدارة المهرجان، بل كانت احتفالًا بتاريخ فنان أفنى عمره في خدمة الأغنية المصرية، وزميلًا ونقيبًا سابقًا وقف إلى جوار أبناء مهنته في محطات كثيرة. ولذلك فإن الذين اعتذروا عن المشاركة خسروا فرصة أن يكونوا جزءًا من ليلة وفاء نادرة، بينما سجل الذين حضروا أسماءهم في ذاكرة المهرجان بموقف يليق بقيمة الفنان المحتفى به.
وفي المقابل، أثبت الفنانون المشاركون أن الانتماء للفن الحقيقي لا يقاس فقط بالعقود والأجور، وإنما بالمواقف أيضًا. فالذين شاركوا في هذه الدورة لم يدافعوا عن إدارة، بل دافعوا عن قيمة الوفاء، وعن مهرجان يمثل أحد أهم الواجهات الثقافية المصرية والعربية.
كما لا يمكن الحديث عن نجاح هذه الليلة دون الإشارة إلى الجهد الكبير الذي بذله الدكتور رضا الوكيل، الذي تحمل خلال الفترة الماضية كثيرًا من الجدل والانتقادات واللغط المرتبط بالتعاقدات وترشيد النفقات، سعيًا إلى تحقيق قدر أكبر من الانضباط المالي والحفاظ على استمرارية المهرجان.
كما لعب الدكتور محمد الموجي دورًا مهمًا في إدارة دورة واجهت تحديات عديدة قبل انطلاقها، بينما جاء دعم الأستاذ الدكتور عبدالعزيز قنصوة ليؤكد تمسك الدولة المصرية باستمرار هذا الحدث الثقافي العريق والحفاظ على مكانته العربية.
ولعل ما أكده حفل الافتتاح أن دار الأوبرا المصرية ليست مجرد مسرح يستضيف النجوم، بل مؤسسة صنعت أجيالًا كاملة من الفنانين، وما زالت تواصل اكتشاف وتقديم الأصوات الشابة القادرة على حمل الراية واستكمال المسيرة. وإذا كانت الأوبرا قد ساهمت عبر عقود في صناعة نجوم كبار، فإنها لا تزال قادرة على تقديم نجوم جدد يؤمنون بقيمة الفن ويحترمون تاريخه ومؤسساته.
وكما قال الرئيس عبدالفتاح السيسي: "مصر ليست عقيمة". وكذلك الفن المصري، الذي يثبت في كل أزمة أنه قادر على إنجاب مواهب جديدة تحمل الشعلة وتواصل الطريق.
أما الختام، فكان واحدًا من أجمل لحظات الأمسية.
اجتمع جميع المشاركين على خشبة المسرح ليقدموا الأغنية الوطنية الخالدة "بلدي يا بلدي"، في لوحة إخراجية مبهرة توسطتها النجمتان نادية مصطفى وأنوشكا، بينما ردد الجمهور الكلمات وصفق بحرارة في مشهد امتزجت فيه الوطنية بالمحبة والوفاء والعرفان بالجميل لفنان أعطى عمره لفنه ولوطنه.
في تلك اللحظة لم يكن هاني شاكر مجرد اسم تتصدر صورته شاشة المسرح، بل كان حاضرًا في الوجوه والأصوات والدموع والتصفيق.
غبت عن مسارحنا، لكنك ما زلت حاضرًا في قلوب جمهورك ومحبيك.
سنظل نذكرك بالخير، ونغني أغنياتك، ونتحدث عن أخلاقك واحترامك ورقيك، لأنك لم تكن مجرد مطرب كبير، بل كنت قيمة فنية وإنسانية ستبقى حاضرة في وجدان كل من عرف الفن الجميل.
وكما قالت رفيقة عمرك في لحظة صادقة هزت مشاعر الحاضرين:
وهذا الأثر هو الذي ملأ المسرح الكبير في ليلة افتتاح مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية الرابع والثلاثين.
وجاء حفل الافتتاح ليمنح الدورة الرابعة والثلاثين بداية استثنائية، وليفتح الباب أمام المزيد من الليالي الفنية المنتظرة في مهرجان ما زالت فعالياته مستمرة، بعد افتتاح أكد أن الوفاء للفن ولرموزه سيبقى دائمًا أقوى من أي خلاف عابر.