د.نجاة مكي..تشكيلية تلون الذاكرة

شهدت حركة الفن التشكيلي في دولة الإمارات تطوراً كبيراً منذ بداياتها، وقد خرج الفنان الإماراتي من حدود الوصف المباشر للبيئة المحلية، إلى فضاءات التجريب والتأمل، وقد انفتحت التجربة التشكيلية المحلية على مدارس فنية متعددة؛ من الواقعية والانطباعية إلى التجريد والرمزية والفن المفاهيمي، ما أتاح للفنان أن يعبّر عن أفكاره ورؤاه في الذاكرة والمكان والتاريخ.وتعد الفنانة التشكيلية نجاة مكي، واحدة من التجارب الفنية البارزة على الساحة، واستطاعت أن تجعل من أعمالها مساحة للتفاعل بين الماضي والحاضر، وبين المادة البصرية والرمز الإنساني، ويتجلى في أعمالها اهتمام واضح باللون، والرمز، والطبقات البصرية.*رؤيةفي هذه اللوحة التي نتأملها، تذهب نجاة مكي إلى حضارة دلمون، لتضعنا أمام تجربة مفتوحة على الأسطورة والحياة والتنظيم الاجتماعي والطقوس اليومية، حيث نلاحظ كيف استلهمت في العمل الرموز والكتابات الدلمونية في أسفل اللوحة، لاسيما تلك العلامات المستمدة من الأختام الدلمونية، مثل المثلثات، والخطوط المتوازية، والرموز النباتية، والعلامات الهندسية المبسطة.**media[8035975]**غير أن الفنانة لم تتجه للمباشرة في اللوحة، فعمدت لسكب خبراتها في ضربات الفرشاة لتعيد أنتاج هذه الرموز داخل بنية تشكيلية معاصرة، جاعلة من الرمز القديم، لغة بصرية حديثة معتقة بألوان الماضي، لذا يشعر المتلقي بحيوية هذه الرموز التاريخية وقدرتها على التعبير رغم مرور الزمن.الرؤية الفنية للوحة مبنية على نظام أفقي، تتوزع فيه المساحات اللونية في طبقات متراكبة تشبه طبقات الأرض والذاكرة، وهنا يبرز الجمال الإبداعي في اللوحة، فهذا البناء الأفقي منح العمل إحساساً أثرياً، كأن المتلقي أمام جدار قديم، أو رقيم تاريخي، أو خريطة لمكان مأهول بالحكايات.أما العناصر التي تبدو كأشخاص أو شخوص واقفة داخل اللوحة، فهي من أكثر مكونات العمل إثارة للتأمل، جعلت منه الفنانة حضوراً بشرياً صامتاً، غير محدد الملامح، لكنه قوي في تأثيره، فغياب التفاصيل الواقعية عن الشخصيات منحها طابعاً رمزياً فاخراً، وكأنك تتأمل حراس ذاكرة المكان، أو شخصيات خرجت من عمق التاريخ، تقف في فضاء اللوحة كما تقف الأعمدة أو اللقى الأثرية، حاملة ثقل الماضي وسره.*أثرتتدرج الطبقات اللونية في العمل من الأزرق في الأسفل، إلى الوردي المحمر في الوسط، إلى الرمادي الداكن، ثم الأخضر في الأعلى، وهنا يتجلى لنا بوضوح الخبرة الفنية العالية للفنانة، حيث خلقت مساراً بصرياً من العمق إلى السطح، ومن الظلام إلى أثر الحياة.تحمل كل طبقة لونية دلالات خاصة، فاللون الأزرق في أسفل اللوحة قد يوحي بالماء، وهو عنصر شديد الارتباط بحضارة دلمون، أما المساحة الوردية والحمراء التي تعلوه، فتبدو كأرض حضارية مأهولة بالعلامات، وفيها تظهر الرموز الهندسية والنباتية وكأنها كتابات على جدار أثري، وعندها انتقال العين للطبقة الأعلى وهي الرمادية تضيف الفنانة على العمل جواً من الغموض والرهبة، ثم الطبقة الخضراء والتي توحي بإعادة بث الروح والحياة من قلب الرماد.هذا التدرج اللوني يمنح اللوحة طابعاً درامياً، يدعوك إلى التأمل والتفكير، ولعل الرسالة التي أرادت الفنانة أن تبلغها، أن الحضارات والتاريخ هما طبقات متراكمة من الضوء والعتمة، من الحياة والأفول، لذا تدعونا لنتأمل معنى البقاء، ويبقى الإنسان هو الرمز الأهم في كل حضارة وفي كل مرحلة، بما خلفه وراءه من أثر أو نقش.*إضاءةنجاة مكي فنانة تشكيلية رائدة، تعد من أبرز الأسماء في الفن المعاصر في دولة الإمارات. ولدت في دبي عام 1956، وكانت من أوائل النساء الإماراتيات اللاتي اتجهن إلى دراسة الفن خارج الدولة؛ إذ حصلت على منحة حكومية للدراسة في القاهرة عام 1977، ونالت البكالوريوس والماجستير ثم الدكتوراه في الفنون. تميزت أعمالها بارتباطها العميق بالبيئة الإماراتية، لاسيما البحر والصحراء والرموز الشعبية، مع ميل واضح إلى التجريد واللغة الرمزية.