د. مصطفى ثابت يكتب: وزير “صنايعي” أعاد الأمل للتعليم

د. مصطفى ثابت يكتب: وزير “صنايعي” أعاد الأمل للتعليم

في مصر، لدينا مثل شعبي شديد العمق يقول:“المهنة اللي ما كنتش فيها صبي عمرك ما تكون فيها معلم”.

وربما هذا المثل يلخص بدقة شديدة ما حدث مع وزير التربية والتعليم الحالي، الذي تعرض منذ اللحظة الأولى لتوليه المسؤولية لهجوم واسع وعنيف، جزء منه كان مفهومًا ومنطقيًا، بسبب طريقة تقديم بعض الأفكار والتصريحات في البداية، وما صاحبها من لغط وسوء تواصل أثار قلق قطاعات كبيرة من المجتمع المصري.

لكن بعيدًا عن الانطباعات الأولى، هناك قاعدة مهمة جدًا في الإدارة والحكم تقول:“الأرقام لا تكذب”.

وخلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، بدأت الأرقام والمؤشرات تكشف أن هناك تحولًا حقيقيًا يحدث داخل واحدة من أعقد وأصعب الوزارات في الدولة المصرية، وهي وزارة التربية والتعليم، الوزارة التي ظلت لعقود طويلة تواجه ملفات شديدة التعقيد والتشابك، بدءًا من الكثافات الطلابية، مرورًا بعجز المعلمين، ووصولًا إلى جودة العملية التعليمية نفسها.

والحقيقة أن ما يميز الوزير الحالي ليس فقط كونه مسؤولًا تنفيذيًا، بل كونه “ابن المهنة” كما يقول المصريون.فالرجل قادم من أسرة مارست التعليم، وعاشت تفاصيل المدارس وإنشائها وإدارتها، وبالتالي فهو لا يتعامل مع الملف من منظور نظري أو أكاديمي فقط، بل من واقع خبرة حقيقية ومباشرة داخل قلب المنظومة.

لأن بعض المشكلات المزمنة لم تكن تحتاج فقط إلى تقارير ولجان واجتماعات، بل كانت تحتاج إلى شخص “إيده في الشغلانة”، يفهم تفاصيلها اليومية، ويعرف أين توجد العقد الحقيقية، وكيف يمكن التعامل معها بحلول غير تقليدية.

ومن يتابع ما أُعلن مؤخرًا في المؤتمر الكبير الذي حضره رئيس مجلس الوزراء وعدد من الوزراء، لمناقشة نتائج الدراسات الدولية الخاصة بتطوير التعليم في مصر، سيدرك حجم التغيير الذي بدأ يتحقق على الأرض.

فالتقرير الأخير الصادر عن UNICEF، والذي تم عرضه خلال المؤتمر، أكد بالأرقام وجود طفرة حقيقية في عدد من مؤشرات التعليم خلال الفترة الأخيرة، وهي شهادة مهمة للغاية لأنها صادرة عن مؤسسة دولية كبرى لا تعمل بمنطق المجاملة السياسية.

بل إن الدكتور محمود محي الدين أشار بوضوح خلال المؤتمر إلى أن تقارير المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة تستند إلى معايير دقيقة للغاية، ولا تجامل الحكومات في تقييم الأداء.

وهنا تصبح المسألة أكثر أهمية، لأن الحديث لم يعد مجرد إشادة محلية أو دعاية حكومية، بل تقييم دولي يستند إلى بيانات ومؤشرات قابلة للقياس.

فهذا الملف تحديدًا من أعقد الملفات في أي دولة، وإصلاحه الكامل يحتاج سنوات طويلة، لكن الفارق الحقيقي أن هناك مشكلات مزمنة ومستعصية بدأ التعامل معها بصورة عملية وجرئية، وبأفكار مختلفة عن النمط التقليدي الذي اعتدناه لسنوات طويلة.

وربما أهم درس يجب أن نتعلمه من هذه التجربة هو أننا أحيانًا نتسرع جدًا في إصدار الأحكام، ونغلق الباب أمام منح الفرصة الحقيقية للتجربة والعمل.

نعم، النقد مطلوب، والمحاسبة ضرورية، لكن أيضًا من المهم أن نعطي مساحة عادلة لمن يعمل، خصوصًا عندما تكون النتائج والأرقام هي التي تتحدث.

والحقيقة أن تجربة وزير التربية والتعليم الحالية أعادت التأكيد على فكرة شديدة الأهمية:أن بعض المواقع التنفيذية تحتاج بالفعل إلى “الصنايعي”… الشخص الذي عاش المهنة، وفهم تفاصيلها، وخبر مشاكلها بيده، وليس فقط عبر الكتب أو المكاتب.

فتحية لكل مسؤول يثبت بالأرقام والعمل أنه يستحق الفرصة، وتحية لكل “صنايعي” حقيقي يعرف كيف يحول الأزمات إلى حلول، والكلام إلى نتائج على الأرض.