د. مصطفى ثابت يكتب:الأحزاب بين السياسة والخدمة المجتمعية.. هل توزيع المساعدات دور طبيعي أم خلط للأدوار؟
في كل مرة تظهر فيها الأحزاب السياسية وهي توزع مساعدات غذائية، أو تقدم لحومًا في عيد الأضحى، أو تنظم قوافل طبية وخدمات اجتماعية، يعود السؤال القديم إلى الواجهة:هل هذا دور طبيعي للأحزاب السياسية؟ أم أن العمل الخيري والخدمي يجب أن يظل حكرًا على مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات المتخصصة؟
الحقيقة أن التجارب الديمقراطية حول العالم تقدم نماذج متعددة، ولا يوجد نموذج واحد يمكن اعتباره القاعدة المطلقة.
في عدد من الدول الديمقراطية، خاصة في آسيا وأمريكا اللاتينية وبعض دول الشرق الأوسط، تلعب الأحزاب أدوارًا اجتماعية واسعة للغاية. ففي India مثلًا، تمتلك الأحزاب الكبرى شبكات جماهيرية ضخمة تقدم خدمات متنوعة للمواطنين، من مساعدات غذائية إلى دعم صحي وتعليمي، وهو ما ينطبق بدرجات متفاوتة على تجارب أخرى في Turkey وبعض دول المنطقة العربية.
هناك، لا يُنظر إلى الحزب فقط باعتباره كيانًا انتخابيًا يسعى للوصول إلى السلطة، بل باعتباره مؤسسة جماهيرية موجودة وسط الناس، تحاول أن تكون قريبة من احتياجاتهم اليومية، خصوصًا في المجتمعات التي لا تزال تعاني تحديات اقتصادية أو ضعفًا نسبيًا في الخدمات.
لكن في المقابل، تختلف الصورة كثيرًا في دول أوروبية مثل Germany وFrance وSweden، حيث تلعب الدولة دورًا واسعًا في الحماية الاجتماعية، بينما تتولى مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية والكنائس والنقابات الجزء الأكبر من العمل المجتمعي المباشر.
أما العمل الخيري المباشر، فيخضع عادة لفصل واضح بين النشاط السياسي والنشاط المجتمعي، مع رقابة صارمة على التمويل، منعًا لتحول المساعدات إلى وسيلة للتأثير السياسي أو الانتخابي.
وفي United States، تبدو الصورة مختلفة أيضًا؛ فالأحزاب أقل انخراطًا في تقديم المساعدات المباشرة مقارنة بالكنائس والمنظمات غير الربحية، بينما يركز السياسيون على ما يعرف بـ“خدمات الناخبين”، أي مساعدة المواطنين في التعامل مع الجهات الحكومية أو الوصول إلى بعض الخدمات العامة.
إذن، هل قيام الأحزاب بدور مجتمعي أمر غير طبيعي؟الإجابة ببساطة: لا.
فالأحزاب السياسية تاريخيًا لم تكن مجرد منصات انتخابية، بل لعبت أدوارًا اجتماعية وثقافية ونقابية، خاصة في الدول النامية أو المجتمعات التي تمر بتحولات اقتصادية واجتماعية كبيرة.
لكن الفارق الحقيقي بين التجارب الناجحة وغيرها لا يتعلق بوجود الدور المجتمعي من عدمه، بل بطريقة ممارسته.
فالأنظمة الديمقراطية المستقرة تضع دائمًا حدودًا واضحة بين:
كما تفرض قواعد للشفافية والإفصاح عن مصادر التمويل، وتمنع استغلال احتياجات المواطنين في شراء الولاءات أو التأثير على إرادتهم السياسية.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم هو:“هل تقدم الأحزاب خدمات اجتماعية؟”
بل الأهم:“هل يتم ذلك بشفافية وعدالة واحترام حقيقي للمجتمع، أم يتحول إلى أداة للنفوذ السياسي؟”
وهنا تحديدًا يكمن الفارق بين الممارسة الديمقراطية الصحية، وبين توظيف الاحتياج الإنساني في معارك السياسة.