د.محمد عسكر يكتب: الذكاء الاصطناعي بين هاجس الخطر وصراع الهيمنة

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة تضاف إلى قائمة طويلة من الابتكارات التي غيرت وجه الحياة البشرية.

لقد أصبح أحد العوامل التي يعاد من خلالها تشكيل الاقتصاد والسياسة والأمن والثقافة وحتى مفهوم الإنسان عن قدراته وحدود وجوده.

وربما لهذا السبب تحديدا تبدو التصريحات المتزايدة في الولايات المتحدة حول مخاطر الذكاء الاصطناعي شديدة الالتباس.

فكيف يمكن للدولة التي تقود سباق تطوير هذه التكنولوجيا أن تحذر في الوقت نفسه من مخاطرها وأن تدعو إلى وضع قيود على تطورها بينما تؤكد مؤسساتها السياسية أن التراجع في هذا السباق قد يمنح الصين فرصة تاريخية للحاق بالولايات المتحدة أو تجاوزها؟.

هذه المفارقة تستحق التأمل لأنها تكشف أن قصة الذكاء الاصطناعي لم تعد قصة تكنولوجية خالصة، نحن أمام ظاهرة تتقاطع فيها مصالح الشركات العملاقة مع حسابات الأمن القومي ومع المنافسة الاقتصادية الدولية ومع المخاوف الحقيقية من أن تصل التكنولوجيا إلى مرحلة يصبح فيها الإنسان أقل قدرة على فهم ما تنتجه الآلات أو التحكم في سلوكها.

في السنوات الأولى للذكاء الاصطناعي التوليدي كان الحديث يدور بصورة أساسية حول قدرة الآلة على كتابة النصوص وإنتاج الصور وتحليل البيانات والإجابة عن الأسئلة.

أما اليوم فقد انتقل النقاش إلى مستوى مختلف تماما. لم تعد القضية فقط أن يستطيع النظام الإجابة عن سؤال يوجه إليه بل أن يصبح قادرا على التخطيط وتنفيذ سلسلة طويلة من المهام واستخدام الأدوات والبرمجيات واتخاذ قرارات متتابعة دون تدخل بشري مستمر.

وهنا تبدأ طبيعة الخطر في التغير. فالآلة التي تقدم اقتراحا خاطئا يمكن للإنسان مراجعته تظل مختلفة جذريا عن نظام قادر على تنفيذ عشرات الخطوات اعتمادا على ذلك الاقتراح.

ومن هنا يمكن فهم جزء كبير من التحذيرات التي تصدر عن شركات التكنولوجيا نفسها. فالشركات التي تقف في مقدمة السباق تدرك قبل غيرها أن التطور لا يسير دائما في مسار يمكن التنبؤ به.

وكلما ازدادت قدرة النماذج على الاستقلال في العمل أصبح اختبارها أكثر تعقيدا، وقد تكون المشكلة في المستقبل ليست أن الآلة تكره الإنسان أو ترغب في السيطرة عليه كما تصور أفلام الخيال العلمي بل أن تنفذ هدفا محددا بكفاءة شديدة من دون أن يكون الهدف متوافقا بصورة كاملة مع ما أراده الإنسان.

لكن هذا الجانب التقني لا ينبغي أن يجعلنا نتجاهل الجانب السياسي والاقتصادي. فالشركات الكبرى التي تطالب بقواعد أكثر صرامة للذكاء الاصطناعي ليست مؤسسات خيرية تعمل خارج منطق السوق، إنها شركات تخوض حربا شرسة على مليارات الدولارات وعلى الأسواق وعلى المواهب وعلى البنية التحتية.

ومن ثم فإن أي تنظيم جديد قد يحمي المجتمع بالفعل من بعض المخاطر لكنه قد يرفع في الوقت نفسه تكلفة المنافسة إلى مستوى لا تستطيع الشركات الصغيرة تحمله.

وفي هذه الحالة يمكن أن تتحول قواعد السلامة من وسيلة لحماية المجتمع فقط إلى عامل يعزز موقع الشركات التي تمتلك المال والحوسبة والبيانات.

وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية عندما نُدخل الصين إلى المعادلة. الولايات المتحدة لا تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره صناعة اقتصادية عادية.

إنه بالنسبة إليها جزء من معادلة القوة العالمية في العقود المقبلة. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤثر في الصناعات المتقدمة وفي الأمن السيبراني وفي الاستخبارات وفي الصناعات العسكرية وفي البحث العلمي وفي القدرة على تطوير الأدوية وفي إنتاج الطاقة وفي كثير من المجالات التي تصنع القوة الاقتصادية والعسكرية للدول.

لذلك فإن واشنطن لا تبدو مستعدة فعليا لإبطاء الذكاء الاصطناعي الأمريكي بصورة عامة، ما نراه أقرب إلى محاولة مزدوجة تتمثل في تسريع التطور داخل الولايات المتحدة وحلفائها وفي الوقت نفسه الحد من قدرة الصين على الوصول إلى بعض مكونات البنية التحتية الأكثر تقدما مثل الرقائق المتطورة وتقنيات تصنيعها، وهذا أمر مختلف تماما عن الدعوة إلى إيقاف الذكاء الاصطناعي.

ومن هنا يصبح من الصعب قبول التفسير البسيط الذي يرى في التحذيرات الأمريكية مجرد مؤامرة لإعاقة الصين؛ فهناك مخاطر حقيقية ظهرت بالفعل في الذكاء الاصطناعي ولا تحتاج إلى افتراضات مستقبلية بعيدة.. هناك التزييف العميق وهناك الاحتيال باستخدام الأصوات والصور المصطنعة وهناك إنتاج معلومات مضللة على نطاق واسع وهناك أخطاء في أنظمة تستخدم في مجالات حساسة وهناك مخاوف متزايدة من الاستخدامات السيبرانية والعسكرية للتكنولوجيا.

لكن في المقابل سيكون من السذاجة أيضا الاعتقاد بأن السياسة الدولية يمكن فصلها عن خطاب السلامة. الدول لا تتعامل مع التكنولوجيا المتقدمة بوصفها مجرد أدوات محايدة. كل تقنية قادرة على تغيير ميزان القوة تصبح جزءا من الصراع على النفوذ.

وقد أثبت التاريخ أن القوى الكبرى لا تتخلى بسهولة عن تفوق استراتيجي لمجرد وجود مخاطر أخلاقية أو أمنية.

المفارقة الحقيقية إذن ليست أن الولايات المتحدة تخشى الذكاء الاصطناعي وفي الوقت نفسه تريد التفوق فيه، المفارقة أن الدول والشركات قد تجد نفسها مضطرة إلى تطوير تقنية تخشى بعض نتائجها لأنها تخشى بدرجة أكبر أن يطورها منافسها أولا.

وهذه هي أخطر نقطة في القصة كلها. فحين يتحول الذكاء الاصطناعي إلى سباق دولي فإن كل طرف يصبح لديه حافز للاستمرار حتى عندما يُعتقد أن التباطؤ قد يكون أكثر أمانا.

إنها معضلة تشبه سباقات التسلح في التاريخ ولكنها أكثر تعقيدا لأن السلاح هذه المرة ليس مجرد منظومة عسكرية يمكن تحديد قدراتها. إنه نظام يمكن أن يدخل في الاقتصاد والتعليم والطب والإعلام والأمن والبحث العلمي والحياة اليومية. ولذلك فإن إدارته أصعب بكثير من إدارة سلاح تقليدي.

ومن الخطأ أيضا تصور أن الولايات المتحدة وحدها تواجه هذه المعضلة. الصين تخوض سباقها الخاص وتستثمر بصورة ضخمة في الذكاء الاصطناعي والرقائق والبنية التحتية. وأوروبا تحاول بناء نموذج تنظيمي أكثر تشددا. بينما تتسابق شركات من دول مختلفة على تطوير نماذج أكثر قدرة. وهكذا أصبح العالم أمام سباق تكنولوجي لا يملك فيه أحد رفاهية الانتظار طويلا.

ربما يكون الحل الحقيقي في الانتقال من فكرة إيقاف الذكاء الاصطناعي إلى فكرة إدارة سباقه. فلا يمكن إيقاف التطور التكنولوجي بقرار سياسي واحد كما لا يمكن تركه بلا قواعد.

المطلوب هو إيجاد معايير واضحة لاختبار الأنظمة الأكثر قدرة ووضع حدود للاستخدامات التي تحمل مخاطر استثنائية وتعزيز الشفافية ومحاسبة الشركات والحكومات على سوء الاستخدام وتطوير آليات تعاون دولية تسمح بمنع بعض أشكال التصعيد الخطير.

وفي النهاية فإن السؤال الأهم ليس من سيفوز في سباق الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين. السؤال الأهم هو ماذا سيفعل العالم عندما يصبح الفائز في هذا السباق قادرا على امتلاك قوة تكنولوجية تفوق ما عرفته البشرية من قبل.

قد يكون من الطبيعي أن تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على تفوقها وقد يكون من الطبيعي أن تسعى الصين إلى اللحاق بها وتجاوزها. لكن من غير الطبيعي أن يصبح مستقبل البشرية مجرد نتيجة جانبية لسباق بين قوتين عظميين. فالذكاء الاصطناعي ليس رقائق إلكترونية ولا خوارزميات فحسب. إنه تحول في علاقة الإنسان بالمعرفة والعمل والقرار والقوة.