د. جمال القليوبي يكتب: معاناة أسعار النفط ستستمر في ظل عدم استقرار الشرق الأوسط

يشهد الشرق الأوسط تصعيدًا جيوسياسيًا متشابكًا، تتداخل فيه الحرب الأمريكية الإيرانية مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز والتصعيد الحوثي ضد السعودية. وقد امتدت تداعيات المواجهات إلى منشآت الطاقة وخطوط الأنابيب والموانئ ومسارات الناقلات، لتصبح سلامة البنية التحتية النفطية وانتظام التصدير من أبرز التحديات التي تواجه منطقة الشرق الاوسط والأسواق العالمية. ولا تنتهي آثار استهداف المنشآت بانتهاء الهجوم؛ فالإصلاح يحتاج إلى وقت وتمويل وقدرات فنية، بينما يفرض احتمال تكرار الاعتداء تكاليف إضافية للحماية والتشغيل والتأمين. ولذلك تختلف استعادة الإنتاج عن استعادة الاستقرار، ما دامت المنشآت وطرق النقل معرضة للتهديد.

وسجل الإنتاج الخليجي تعافيًا خلال سبتمبر، لكن تجدد المخاطر البحرية أثار الشكوك بشأن استدامته. فالبرميل المنتج لا يصبح إمدادًا متاحًا للمستهلك إلا عندما يصل إلى وجهته بأمان وفي موعده. وهنا تتحول المخاطر الجيوسياسية إلى عنصر اقتصادي مؤثر في تسعيره النفط وتليها تاثيره المباشر في السيولة المالية وقدره الدول واقتصاديتها علي التأقلم مع التذبذب في الاسعار التي يخلقها التصريحات وكذلك الاحداث .

وتحتل السعودية موقعًا محوريًا في هذه المعادلة، باعتبارها أحد أعمدة الإنتاج والتصدير عالميًا. فأي استهداف لأنابيبها أو مصافيها أو خزاناتها وموانئها النفطية ينعكس على ثقة المشترين، ويتجاوز أثره حدود المملكة إلى الدول المستوردة وسلاسل الإنتاج العالمية، وإذا طال الصراع، فقد ترتفع نفقات الدفاع وإصلاح المنشآت وتأمينها، وتزاحم الموارد المخصصة للتنمية والتنويع الاقتصادي. وهذا يفتح خطر الانزلاق نحو بعض سمات اقتصاد الحرب، لكنه لا يثبت أن الاقتصاد السعودي تحول بالفعل إلى اقتصاد حرب شامل.

وناقشت الصحافة الأمريكية هذه الموازنة الصعبة بين متطلبات الأمن والطموحات الاستثمارية للمملكة. ولايزال هناك افتراض وهو وجود قوى خفية تسعى إلى إنهاك اقتصاد السعودية، لان الكثير من الأدلة تحدد الجهات وأدوات دعمها وأهدافها. ويمكن تحليل نتائج الهجمات في زعزعة الاستقرار دون تقديم النوايا المفترضة بوصفها حقائق مثبتة. والمؤكد اقتصاديًا أن استمرار الاضطرابات يرفع الأعباء على كل دول منطقة الشرق الأوسط عبر الاستثمار والتجارة والسياحة وأسعار الطاقة.

وهنا ينبغي التمييز بين الطاقة الإنتاجية والحصص المستهدفة والكميات المسلمة فعليًا. فقد يستطيع المنتج زيادة الضخ، بينما يمنع تعطل الأنابيب أو الموانئ وصول جزء منه إلى المشترين. وأظهر تقرير أوبك الصادر حديثا تعافي إنتاج أوبك بلس بقيادة السعودية؛ لذلك يتمثل الخطر في فقدان هذا التحسن إذا استمر التصعيد، وليس في الجزم بعجز دائم عن الوفاء بالإمدادات. وتضاف إلى ذلك معضلة تعويض المخزونات. فالسحب من الاحتياطيات يخفف الصدمة مؤقتًا، لكنه يقلص هامش الأمان ويخلق حاجة مستقبلية لإعادة الملء. وعندما تبدأ الدول الصناعية المستوردة شراء النفط للتخزين، فإنها تضيف طلبًا فوق احتياجات الاستهلاك المعتادة. وتشتد الضغوط السعرية إذا تزامنت هذه المشتريات مع استمرار نقص الإمدادات.

وهنا اذكر كلمة رئيس أرامكو أمين الناصر في مؤتمر الطاقة في الرياض والذي صرح ان إعادة بناء المخزونات الاستراتيجية بالتزامن مع تلبية الطلب، قد تستغرق ما يصل إلى نحو عامين. وهذا تقدير للتحدي العالمي، وليس موعدًا مضمونًا لتعويض كل احتياطي وطني لكل دوله حيث تختلف أرصدة المخزون والقدرة على السحب بين الدول، فلا يصح اعتبارها جميعًا على أبواب النضوب.

كذلك يختلف توفر الخام عن توفر المنتجات المكررة؛ فزيادة الإنتاج لا تعالج نقص الديزل والبنزين والجازولين إذا تعطلت المصافي أو شبكات نقل الوقود. وتزيد أجور الناقلات وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب وغرامات الانتظار تكلفة الشحنة النهائية، بينما يدفع تأخر التسليم بعض المشترين إلى السوق الفورية لتغطية احتياجات عاجلة.

وخلال السنتين المقبلتين قد تكون هناك عده تصورات لمسارات مشروطة لأسعار برنت. احد السيناريوهات وهو الوصول الي تحقيق تهدئة مستمرة وانتظام الملاحة وتعافى الإنتاج والتكرير،عندها قد يتحرك السعر بين ٦٥ و٨٥ دولارًا بعد انحسار الأزمة، والسيناريو الثاني هو استمرار الاضطرابات المتقطعة، مع طلب إعادة التخزين وارتفاع تكاليف النقل، فقد يبقيه بين ٨٥ و١١٠ دولارات، مع قفزات مؤقتة أعلى.

والسيناريو الاخر هو حالة تصعيد واسع وتعطل ممتد للصادرات، قد يصل برنت إلى ١٢٠–١٥٠ دولارًا خلال ذروة الأزمة، دون أن يعني ذلك بقاءه عند هذه المستويات طوال العام. وفي المقابل، قد يؤدي تباطؤ اقتصادي قوي مع استعادة المعروض إلى نطاق ٥٥–٧٠ دولارًا. وهذه نطاقات تحليلية افتراضية، وليست توقعات رسمية أو متوسطات سنوية محسوبة ولكن تخضع الي تقلبات المنطقة .

ومع ما توقع السيناريوهات التي يردنها نجد ان هناك توقع آخر من إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في إصدار أكتوبر ان يصل البرميل الي نحو ٨٤ دولارًا لبرنت في المتوسط لعام ٢٠٢٧، اعتمادًا على تحسن الإمدادات وانفراجه في حركة الملاحه وحرية النقل، بينما تقديرات عام ٢٠٢٨ فتظل أكثر غموضًا، وتحتاج إلى المراجعة مع تغير الأحداث العالمية.

ومع التصور الدارج للأسعار اجد بالنسبة لمصر، فان ارتفاع اسعار الخام النفط والوقود المكرر سيرفع فاتورة الاستيراد والاحتياجات من النقد الأجنبي، وقد يزيد أعباء الموازنة العامة بحسب سعر الصرف وسياسات التسعير والدعم. وتمتد التداعيات إلى النقل والصناعة والزراعة وتكاليف المشروعات القومية، بما يجعل تأمين الطاقة جزءًا أساسيًا من حماية الاقتصاد والتنمية، ومن هنا، ينبغي دراسة برنامج تدريجي قومي لزيادة المخزون الاستراتيجي المصري إلى مستوى يغطي ستة أشهر أو أكثر من صافي الاحتياجات الاستيرادية، وفق تقييم فني ومالي. ويحدد البرنامج مزيج الخام والمنتجات، خصوصًا الديزل، وسعات التخزين ومعدلات السحب والتوزيع وتكاليف الشراء والتمويل والصيانة. وهذا هدف مقترح لمصر، وليس معيارًا دوليًا ملزمًا؛ إذ تشترط وكالة الطاقة الدولية على أعضائها المستوردين تغطية ٩٠ يومًا على الأقل من صافي الواردات.

ولا يضمن المخزون تثبيت الأسعار لعامين، لكنه يؤمن استمرار الإمدادات ويمنح الحكومة مرونة في توقيت المشتريات. لذلك يجب أن يصاحبه تنويع التوريد، وعقود مناسبة، وتحوط مالي مدروس عند جدواه، وزيادة الإنتاج المحلي وكفاءة الاستهلاك. كما تحتاج المشروعات القومية إلى خطط لاستمرارية الوقود، واحتياطيات تمويل للطوارئ، وتغطيات تأمينية ملائمة للمخاطر القابلة للتأمين.

إن استمرار الحرب يزيد خطر الغلاء والتقلب، لكنه لا يجعل الارتفاع المتواصل حتميًا. وحماية الاقتصادات تتطلب الجمع بين أمن المنشآت والملاحة، وتنويع الإمدادات، وإدارة المخزون والتمويل؛ فالمخزون يمنح وقتًا لمواجهة الصدمات …وإلى تكمله قادمة