«والأستاذ محمد الحمدان، رحمه الله، من معارفي القدامى، ومن جماعتنا (أهل البير)، وبين أسرته وأسرتنا علاقات ودّ ورحم ونسب قديم وجديد، وعادةً ما يزور عمي إبراهيم في البير في العيدين مع بعض أولاده ويسلّم عليه، ويستعيد الاثنان الذكريات القديمة، بل الموغلة في القدم. ومنها أن العم يتذكر جيدًا أن الحمدان ألقى كلمة في حفل استقبال الملك سعود عند زيارته لقريتنا (البير) في بداية حكمه عام 1373هـ، وكان الحمدان وقتها في سن السابعة عشرة، ويصف العم إلقاء الكلمة بأنه يحمل جسارة منه وجرأة وثقة بالنفس».
هذا ما كتبه الدكتور عبدالله الحيدري في مقدمة كتابه الذي صدر حديثًا عن دار الثلوثية بعنوان «عاشق النوادر وصاحب مكتبة قيس: محمد بن عبدالله الحمدان»، في 150 صفحة، عن الحمدان الذي وافته المنية في الرياض في شهر رجب 1447هـ (ديسمبر 2025م). وكعادته في الوفاء للأحياء قبل الأموات، يقول الدكتور الحيدري عن سبب تأليفه هذا الكتاب التوثيقي: «وأما هذا الكتاب فجاءت فكرته من الدكتور محمد بن عبدالرحمن الربيّع، وصادفت رغبةً في داخلي نظرًا لمكانة الفقيد في نفسي».
جاء الكتاب في خمسة فصول، وهي: الفصل الأول: حياته ونشأته وتعليمه، ثم تكريمه ووفاته. الفصل الثاني: أبحاثه ومقالاته واتجاهاتها، ويتناول زواياه الصحفية وظاهرة السخرية لديه. الفصل الثالث: مؤلفاته، وهي ثمانية: «بنو الأثير: الفرسان الثلاثة»، و«صبا نجد: نجد في الشعر العربي»، و«ديوان السامري والهجيني»، و«ديوان حميدان الشويعر»، و«البير» ضمن سلسلة «هذه بلادنا»، و«معجم المطبوع من دواوين الشعر العامي القديمة»، و«تأملات في كتاب الله: فهرس لموضوعات في القرآن الكريم»، و«من أجل بلدي: استطلاعات ومقالات». الفصل الرابع: مكتبته ومكتبة قيس. الفصل الخامس: مكانته في الوسط الثقافي.
يقول المؤلف عن الراحل، رحمه الله، إنه حمل القلم كاتبًا مدةً زادت على سبعين عامًا، وتعود أولى محاولاته الكتابية إلى عام 1374هـ، عندما كان طالبًا في معهد إمام الدعوة العلمي بالرياض؛ إذ أسّس مع أحد زملائه جريدة حائطية، لكنها لم تستمر. ويعزو الحمدان سبب تعثرها إلى «صراحتها، أو حدتها في النقد»، كما ذكر ذلك في كتابه «من أجل بلدي». كما يشير المؤلف إلى أن أول مقال للراحل الحمدان في الصحف والمجلات السعودية كان بعنوان «في مستشفى الشميسي»، ونُشر في العدد (199) من جريدة «اليمامة» بتاريخ 6/6/1379هـ.
رصد المؤلف، من خلال بحثه وتقصّيه لحضور الفقيد في الصحافة السعودية، الزوايا التي اتخذها الحمدان خلال مسيرته الطويلة مع الكتابة الصحفية، وكتب فيها ما يجول بخاطره من أفكار، سواء أكانت دينية أم أدبية أم اجتماعية. ومن أقدمها ثلاث زوايا، وهي: «بصراحة»، و«دبابيس»، و«السلام عليكم».
أما الأولى، «بصراحة»، فهي زاوية شبه منتظمة، نُشرت حلقاتها في جريدة «الرياض» عام 1384هـ، واستمر في الكتابة في الجريدة حتى عام 1390هـ. وأما زاويته «دبابيس» فقد احتضنتها جريدة «الجزيرة»، ونُشرت أول حلقة منها في شهر ربيع الأول عام 1384هـ. وأما زاويته الثالثة، «السلام عليكم»، فنُشرت حلقاتها في جريدة «الدعوة» في المدة من 1392 إلى 1395هـ. وله زاوية رابعة متأخرة زمنيًا عن الزوايا السابقة، هي «أكثر من موضوع»، ونُشرت حلقاتها في جريدة «الجزيرة». وله زاوية خامسة تتناسب مع هوايته وعشقه للكتب، بعنوان «حديث الكتب»، ونُشرت حلقاتها في جريدة «الجزيرة» في سنوات متعددة، وفي «المجلة الثقافية» الصادرة عنها.
يؤكد المؤلف في كتابه أن الحمدان «ينتمي إلى أسرة عُرفت بحب الدعابة وخفة الدم، ويميل في مقالاته إلى الرغبة في إشاعة الفكاهة وإيراد بعض القصص الطريفة، ويعلن دون ملل بأن الحياة تحتاج إلى شيء من الترويح يخفف صعوباتها». وأشار الحمدان في الغلاف الأخير من كتابه الأول «بنو الأثير» إلى أنه ينوي إخراج كتاب بعنوان «ابتسم من فضلك»، ثم حالت ظروف دون طباعته، فأصبح يحمل مادته في سفره وحضره ليسلّي بها أسرته أو من يجلس معهم من الأصدقاء في مناسبة أو رحلة برية.
ويشرح المؤلف نشأة مكتبة قيس، فيقول: «وقد نشأت هواية جمع المخطوطات والكتب والجرائد والمجلات القديمة والنادرة لدى الحمدان، رحمه الله، منذ شبابه المبكر، فجمع منها الشيء الكثير من كل حدب وصوب، حتى امتلأ منزله، فاضطر إلى إنشاء مكتبة تجارية متخصصة في المخطوطات والكتب والجرائد والمجلات القديمة والنادرة، أسماها (مكتبة قيس) باسم أحد أولاده، لبيع بعض ما جمع. واشتهرت المكتبة وأصبحت رائدة لمن جاء بعدها من باعة الكتب المستعملة. وقد خدمت الطلاب والطالبات والباحثين والباحثات وهواة الكتب القديمة في جميع مناطق المملكة، بل وفي دول مجلس التعاون الخليجي وغيرها، وبالذات ما يتعلق بتاريخ المملكة والجزيرة العربية».
ويشير المؤلف إلى زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أيّده الله، لمكتبة الفقيد الخاصة، فيقول عن ذلك الحدث التاريخي: «وقد تشرّفت المكتبة وتشرّف صاحبها بزيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حينما كان أميرًا لمنطقة الرياض، ومعه بعض المثقفين، وكان ذلك في عام 1408هـ». وتحدث الحمدان عن هذه المناسبة في كتابه «من أجل بلدي»، فقال: «في منزل ضيّق بضاحية عليشة بمدينة الرياض، حُشرت فيه مكتبة قيس ومتحف قيس، ودعوت الأمير سلمان ورفاقه لزيارة مكتبة ومتحف قيس، كما دعوت بعض الأصدقاء والشخصيات العلمية بعدد لا يزيد على أصابع اليد الواحدة، أذكر منهم: عبدالله بن محمد بن خميس، وعثمان بن ناصر الصالح، وعبدالعزيز بن محمد النصّار، ود. عبدالله بن ناصر الفوزان».
وقد عرف القراء مكتبة قيس في أربعة أماكن بمدينة الرياض: الأول في حي عليشة (شارع سليمان آل مشرّف)، ثم في حي البديعة، ثم في جنوب غرب حي التعاون على طريق أبي بكر الصديق، ثم في مكان آخر شمال وسط حي التعاون قريبًا من الدائري الشمالي.
كما تضمن هذا الكتاب عددًا من المقالات الوفائية عن الفقيد الحمدان، رحمه الله، لكلٍّ من: الأستاذ أحمد بن عبدالمحسن العسّاف، والأستاذ راشد ابن جعيثن، والأستاذ سهم بن ضاوي الدعجاني، والأستاذ صلاح بن إبراهيم الزامل، والدكتور عبدالعزيز بن سلمة، والأستاذ عبدالعزيز بن عبدالرحمن الخريّف، والدكتور محمد بن عبدالرحمن الربيّع، والدكتور محمد بن عبدالله المشوّح، والأستاذ يوسف بن محمد العتيق.
ويشير المؤلف إلى أن الدكتور محمد بن عبدالله المشوّح، صاحب دار الثلوثية، حينما علم بفكرة تأليف هذا الكتاب، طلب أن يكون ضمن إصدارات الدار. وهذا وفاء مقدّر يُضاف إلى مواقفه الأخرى، خاصة أن المشوّح أول من كرّم الفقيد، رحمه الله، في ثلوثيته عام 1439هـ، وكتب عنه في حياته، ورثاه بعد وفاته بمقال مطوّل، وشارك في ندوة عنه بعد رحيله، وها هو يتوّج كل ذلك بطباعة هذا الكتاب عنه، رحمه الله رحمة واسعة.