د. أيمن فرج يكتب: من منتدى مصر 2026 إلى معركة الوظائف عالميًا.. كيف تعظّم مصر العائد التنموي للنمو الاقتصادي؟

في عالم تتسارع فيه المنافسة على الاستثمار والتكنولوجيا والأسواق، لم يعد تقييم الأداء الاقتصادي يقتصر على معدلات نمو الناتج المحلي، بل يشمل قدرته على خلق فرص عمل منتجة ومستقرة وتحسين دخول المواطنين ومستويات معيشتهم. ومع استعداد منتدى مصر 2026 للانعقاد، تبرز أهمية مناقشة العلاقة بين النمو والتوظيف، وكيفية تعظيم العائد التنموي للاستثمار والتوسع في الإنتاج، بما يضمن انعكاس النمو على فرص العمل وجودتها، ويعزز مسار التنمية الاقتصادية في مصر.1- من النمو بلا عمل إلى التشغيل منخفض الانتاجية.. معركة الوظائف عالميًاتظهر معضلة سوق العمل في صورتين متكاملتين: النمو بلا عمل (Jobless Growth)، حين يتوسع الناتج دون توفير وظائف كافية لاستيعاب الداخلين الجدد إلى السوق، والعمل بلا نمو (Growthless Employment)، حين تتزايد العمالة في أنشطة منخفضة الإنتاجية والدخل، تفتقر غالبًا إلى الاستقرار والحماية الاجتماعية. وقد تجتمع الصورتان في الاقتصاد نفسه؛ إذ ترفع بعض القطاعات كثيفة رأس المال إنتاجيتها دون زيادة مماثلة في التوظيف، بينما تستوعب أنشطة أخرى عمالة إضافية دون قيمة مضافة كافية.ويتجاوز تحدي توفير فرص العمل حدود الاقتصادات منفردة، ليصبح أحد أبرز التحديات التنموية عالميًا. فقد أشار أجاي بانجا، رئيس مجموعة البنك الدولي، إلى أن نحو 1.2 مليار شاب في البلدان النامية سيبلغون سن العمل خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة، في حين يُتوقع توفير نحو 400 مليون وظيفة وفق المسارات الحالية. ويشير الفارق، الذي يقدر بنحو 800 مليون، إلى فجوة محتملة بين الداخلين الجدد إلى سن العمل والوظائف المتوقع توفيرها، وليس إلى عدد مؤكد من العاطلين مستقبلًا. وتبرز هذه التقديرات حجم التحدي المرتبط بقدرة الاقتصادات على توسيع فرص العمل المنتجة، وتعزيز الاستثمار في الأنشطة القادرة على استيعاب العمالة، وتهيئة المهارات اللازمة لمتطلبات سوق العمل المتغيرة.وتزيد التحولات التكنولوجية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والتشغيل الآلي، تعقيد المشهد؛ فهي تتيح فرصا لرفع الإنتاجية وخلق أنشطة جديدة، لكنها تغير أيضًا المهارات المطلوبة وتقلص الحاجة إلى بعض المهام التقليدية. لذلك، لا يتمثل التحدي في مقاومة التكنولوجيا، بل في توجيه الاستثمار والتدريب نحو أنشطة تجمع بين رفع الإنتاجية وتوسيع فرص العمل، مثل الصناعات التحويلية والخدمات القابلة للتصدير والأنشطة الرقمية وسلاسل القيمة المحلية. ويظل نجاح هذا التوجه مرهونًا بارتباط الاستثمار بالإنتاج الفعلي، وتوافر المهارات والتمويل، وقدرة الشركات المحلية على النفاذ إلى الأسواق.2- مصر.. قراءة تحليلية في مؤشرات النمو والتشغيلتعكس أحدث المؤشرات المصرية تزامن تحسن النمو الاقتصادي مع تراجع البطالة، بما يشير إلى أن التوسع الاقتصادي صاحبه تحسن في مؤشرات التشغيل. ويعزز ذلك أهمية النظر إلى العلاقة بين النمو وسوق العمل من زاوية أوسع، لا تقتصر على زيادة فرص العمل، بل تمتد إلى إنتاجيتها، ومستويات الدخول التي توفرها، وقدرتها على دعم التحسن الاقتصادي على المدى الطويل. ومن هنا يبرز التساؤل: كيف يمكن تعظيم العائد التنموي للنمو، بحيث تتسع فرص العمل المنتجة وتتزايد استفادة المواطنين من ثمار التوسع الاقتصادي؟بحسب بيانات وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، ارتفع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من 3.5% في الربع الأول من العام المالي 2024/2025 إلى 5.0% في الربع الرابع، ثم بلغ 5.3% في الربعين الأول والثاني من 2025/2026، قبل أن يسجل 5.0% في الربع الثالث و4.7% في الرابع. وبلغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال العام المالي 2025/2026 نحو 5.1%، مقابل 4.4% في العام المالي السابق. ويعكس ذلك تحسن النشاط الاقتصادي، فيما يتطلب تقييم أثره التنموي النظر أيضًا إلى الدخول الحقيقية ونوعية فرص العمل واستدامتها.ووفقًا لنتائج بحث القوى العاملة الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، انخفض معدل البطالة في الربع الثاني من عام 2026 إلى 5.8%، مقابل 6.0% في الربع السابق و6.1% في الربع المناظر من العام الماضي. وبلغ عدد المشتغلين نحو 33.56 مليون شخص، فيما وصلت قوة العمل إلى 35.64 مليون فرد. وعلى أساس سنوي، ارتفع عدد المشتغلين بنحو مليوني شخص.-توزيع التشغيل: أين تتركز الوظائف؟تتركز نحو 70% من العمالة في خمسة أنشطة اقتصادية، هي الزراعة وصيد الأسماك 18.6%، وتجارة الجملة والتجزئة 17.2%، والصناعات التحويلية 13.5%، والتشييد والبناء 11.9%، والنقل والتخزين 9.3%. بينما بلغت حصة الأنشطة المالية والمعلومات والاتصالات والخدمات المهنية مجتمعة 3.4%. ويبرز هذا التوزيع فرصًا لتنويع مصادر التشغيل، عبر تنمية الأنشطة القادرة على توليد قيمة مضافة أعلى وتوفير فرص قابلة للنمو والتصدير، بالتوازي مع رفع إنتاجية الأنشطة كثيفة العمالة. ويظل توسيع فرص العمل المنتجة وتحسين استدامتها هدفًا مشتركًا لمختلف القطاعات.-فجوات المشاركة والبطالة بين الجنسينتكشف المؤشرات عن تفاوت بين الذكور والإناث في المشاركة الاقتصادية وفرص العمل؛ إذ بلغ معدل المشاركة الاقتصادية بين الإناث21.2%، مقابل 72.8% للذكور، فيما سجلت البطالة 14.4% بين الإناث و3.4% بين الذكور. وفي المقابل، ارتفع عدد المشتغلات بنسبة 11.5% سنويًا، وهو تطور يعكس تحسنًا في تشغيل المرأة، ويبرز ذلك أهمية توسيع فرص العمل الملائمة، وتعزيز فرص الانتقال إلى العمل المأجور والمنظم، إلى جانب تحسين الدخل والحماية الاجتماعية للعاملات في الأنشطة الأسرية، بما يدعم استدامة مشاركة المرأة الاقتصادية.-التعليم والانتقال إلى سوق العملبلغت البطالة 10.7% بين الحاصلين على مؤهل جامعي فأعلى، مقابل 1.8% بين غير المتعلمين، كما وصلت إلى 14.5% بين الشباب في الفئة العمرية 20–24 عامًا. ويشكل الجامعيون نحو 39% من المتعطلين في الفئة العمرية 15–64 عامًا. وتُقرأ هذه الفروق في ضوء اختلاف معدلات المشاركة الاقتصادية وطبيعة الوظائف المتاحة لكل فئة، بما يجعل تطوير التوجيه المهني والتدريب التطبيقي وربط المهارات باحتياجات أصحاب الأعمال مسارات مهمة لتحسين الانتقال إلى سوق العمل.-التفاوت الجغرافي في البطالةتختلف معدلات البطالة بين المناطق؛ إذ بلغت 11.2% في المحافظات الحضرية، مقابل 6.8% في حضر الوجه البحري و7.5% في حضر الوجه القبلي، بينما سجلت 3.7% في ريف الوجه البحري و3.2% في ريف الصعيد. وتتداخل في تفسير هذه الفروق معدلات المشاركة وطبيعة الأنشطة الاقتصادية وتوزيع فرص العمل؛ لذلك تكتسب المقارنة أهمية أكبر عند ربطها بالأجور والإنتاجية والحماية الاجتماعية، لتحديد الاحتياجات التنموية لكل منطقة بدقة أكبر.3- القطاع غير الرسمي والتحولات الرقمية.. من استيعاب العمالة إلى رفع الإنتاجيةيمثل القطاع غير الرسمي والمشروعات الصغيرة مصدرًا مهمًا للتشغيل والدخل، ويعتمد تعزيز إسهامهما على تيسير التمويل، وتبسيط إجراءات الانضمام إلى القطاع الرسمي، وتوسيع ارتباطهما بسلاسل توريد الصناعات الكبرى، بما يفتح أسواقًا أوسع ويرفع الإنتاجية ويحسن جودة الوظائف.وفي الوقت نفسه، يعيد التحولان الرقمي والأخضر تشكيل سوق العمل والمهارات المطلوبة؛ فالذكاء الاصطناعي والتشغيل الآلي يغيران طبيعة الوظائف، فيما ت