د. أمل منصور تكتب: فاقد الشيء… قد يكون أصدق من يمنحه

من أكثر الجمل التي ترددت على الألسنة حتى تحولت إلى حقيقة لا يناقشها أحد، مقولة: "فاقد الشيء لا يعطيه." نرددها بثقة، ونبني عليها أحكامًا، وكأن الإنسان نسخة جامدة لا تتغير، وكأن ما ينقصه اليوم هو نفسه ما سيعجز عن تقديمه غدًا. لكن القلب الإنساني له حسابات أخري ، وأكثر رحابة من أي قاعدة مختصرة.

الحب لا يخضع دائمًا للمنطق، والمشاعر لا تسير وفق القوانين التي نصنعها نحن. فالإنسان لا يعطي فقط مما يملك، بل قد يعطي أيضًا مما افتقد، ومما حلم به طويلًا، ومما ظل يبحث عنه بين الوجوه ولم يجده. وربما لهذا السبب تبدو بعض القلوب أكثر دفئًا، لا لأنها عاشت الدفء، بل لأنها تعرف جيدًا قسوة البرد العاطفي.

هناك رجال لم يسمعوا الكلمة التي كانت تطمئن أرواحهم، ومع ذلك يجيدون قولها للمرأة التي يحبونها في اللحظة التي تحتاجها. وهناك نساء لم يعشن الشعور الكامل بالأمان، لكنهن يملأن حياة الرجل الذي أحببنه سكينة واحتواء. ليس لأن الحياة كانت كريمة معهما، بل لأن الحرمان علّمهما قيمة ما غاب، فأصبحا أكثر وعيًا بأثره في النفس.

العطاء ليس دائمًا دليل الامتلاء. أحيانًا يكون دليل الإدراك. والفرق بينهما كبير. فالامتلاء يجعل الإنسان يمنح لأنه اعتاد أن يملك، أما الإدراك فيجعله يمنح لأنه يعرف تمامًا كيف يؤلم الغياب. الإنسان الذي لم يذق الاحتواء قد يصبح أكثر الناس حرصًا على ألا يشعر من يحب بالوحدة. والإنسان الذي عاش فراغًا طويلًا قد يتحول إلى وطن كامل لمن اختاره قلبه.

لهذا تخطئ بعض القلوب في تفسير العطاء. تظن أن من يمنحها كل هذا الحب لا بد أنه عاش قصة جميلة، أو تربى على وفرة من المشاعر، أو عرف دائمًا كيف يكون محبوبًا. بينما الحقيقة قد تكون على النقيض تمامًا. قد يكون كل ما يقدمه اليوم هو الأشياء نفسها التي كان يتمنى أن يجدها ذات يوم، ولم يجدها.

الحب عند هؤلاء ليس عادة، ولا رفاهية، ولا استعراضًا للمشاعر. إنه لغة خرجت من أعماق الاحتياج. كأن القلب يقول بصمت: أعرف كم يؤلم هذا الفراغ، لذلك لن أسمح لمن أحب أن يعيشه. أعرف كم تؤذي الكلمة القاسية، لذلك سأختار كلماتي بعناية. أعرف كيف يرهق التجاهل الروح، لذلك سأكون حاضرًا حتى في صمتي.

وربما لهذا السبب أيضًا، يكون فاقد الشيء أصدق من يمنحه. لأنه لا يمنح شيئًا لا يعرف قيمته، بل يمنح أكثر الأشياء التي خبر وجع غيابها. يعرف أن كلمة واحدة قد تعيد الحياة إلى قلب أنهكه الانتظار، وأن نظرة صادقة قد تطفئ خوفًا ظل يسكن الروح سنوات، وأن اهتمامًا صغيرًا قد يرمم جزءًا كبيرًا من إنسان كان يبدو للجميع قويًا، بينما كان يتداعى بصمت.

الرجل، على عكس ما يظنه كثيرون، لا يبحث عن الحب بوصفه انتصارًا، بل يبحث عنه بوصفه سكينة. قد ينجح في عمله، ويبدو ثابتًا أمام الجميع، ويجيد إخفاء اضطرابه، لكنه يحمل داخله مساحة لا يراها أحد، مساحة لا تحتاج إلى الإعجاب بقدر ما تحتاج إلى الشعور بأنه مفهوم دون أن يشرح نفسه، ومقبول دون أن يتقمص شخصية أخرى، ومحبوب دون أن يظل في حالة إثبات مستمرة.

لهذا، قد يكون الرجل الذي افتقد هذا الشعور طوال حياته، هو أكثر الرجال قدرة على منحه. لأنه يعرف كم يبدو العالم مرهقًا عندما يعود الإنسان إلى قلب لا يشعر فيه بالطمأنينة، ويعرف كيف تتحول الحياة كلها إلى عبء عندما يفتقد الإنسان حضوره الحقيقي في عين المرأة التي يحبها. لذلك لا يمنحها الاهتمام لأنه واجب، بل لأنه يعرف قيمة أن تجد من ينتبه لتفاصيلك الصغيرة قبل كلماتك الكبيرة، ومن يسمع ارتباكك قبل حديثك، ومن يصدق صمتك أكثر من تبريراتك.

ورغم ذلك، يظل يخفي احتياجه. يمنح، ويبتسم، ويحتوي، بينما ينتظر في أعماقه أن تلتفت المرأة يومًا إلى قلبه بالطريقة نفسها. لا يطلب الكثير، لكنه يتمنى أن يشعر، ولو مرة، أن أحدًا رأى ضعفه دون أن ينتقص منه، وأن أحدًا أحب الجزء الذي يخفيه عن العالم كله.

تدخل المرأة إلى الحب بطريقة مختلفة، لكنها لا تقل عمقًا. فهي لا تمنح الرجل قلبها دفعة واحدة، بل تمنحه أجزاءً من روحها مع كل شعور بالأمان. وكلما اطمأنت، كشفت عن طبقة جديدة من نفسها، حتى يصبح الحب بالنسبة إليها مساحة تسكنها أكثر مما تعيشها. لذلك فإن المرأة التي عاشت فراغًا عاطفيًا لا تتحول بالضرورة إلى امرأة باردة، بل قد تصبح أكثر النساء قدرة على منح الدفء، لأنها تعرف جيدًا كيف ترتجف الروح وهي تبحث عن يد تحتويها فلا تجدها.

قد تبدو قوية أمام الجميع، لكنها تتذكر في داخلها كل مرة كانت تتمنى أن يسمع أحد ارتعاشة قلبها قبل كلماتها، وكل مرة كانت تحتاج إلى احتواء بسيط ولم تجده. هذه الذكريات لا تجعلها عاجزة عن الحب، بل تجعلها أكثر حساسية تجاه مشاعر الرجل الذي اختارته. فتقرأ تغير نبرة صوته، وتفهم صمته، وتلاحظ انطفاء عينيه، لأنها عاشت من قبل شعور أن يمر كل هذا على الآخرين دون أن ينتبه إليه أحد.

لهذا تمنح باهتمام يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في داخله عمرًا كاملًا من الاحتياج القديم. تمنح لأنها تعرف أن الإنسان لا ينكسر دائمًا من المواقف الكبيرة، بل من التفاصيل الصغيرة التي تتكرر حتى تصنع داخله شعورًا بأنه غير مرئي. فتقرر، دون أن تعلن ذلك، أن يكون الرجل الذي تحبه مرئيًا دائمًا في قلبها، ومسموعًا حتى وهو صامت، ومطمئنًا حتى وهو يخفي قلقه.

وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات الإنسانية إيلامًا وجمالًا في الوقت نفسه؛ فبعض القلوب التي لم تجد الحب كما كانت تتمناه، تصبح أكثر القلوب قدرة على صناعته. وكأن الحرمان لم يسرق منها القدرة على العطاء، بل منحها بوصلة دقيقة تعرف بها الطريق إلى أعماق القلب الآخر.

الذين يظنون أن العطاء لا يخرج إلا من قلب ممتلئ، ينظرون إلى المشاعر من الخارج فقط. أما من تأمل النفس الإنسانية بصدق، فسيدرك أن الامتلاء قد يصنع الراحة، لكن الحرمان يصنع الفهم. والفرق بين من يمنح لأنه يملك، ومن يمنح لأنه يعرف قيمة ما يمنحه، يشبه الفرق بين من يتحدث عن الألم، ومن عاشه فعلًا.

لهذا يبدو حب هؤلاء مختلفًا. ليس أكثر ضجيجًا، بل أكثر صدقًا. لا يبحث عن المظاهر، ولا عن الكلمات البراقة، ولا عن القصص التي تثير إعجاب الآخرين. إنه حب يحاول أن يخفف عن الطرف الآخر ما كان يتمنى صاحبه أن يخففه أحد عنه يومًا. لذلك تأتي تصرفاته مليئة بتفاصيل قد لا ينتبه إليها الكثيرون، لكنها بالنسبة إلى القلب تعني العالم كله.

وربما لهذا أيضًا، يخطئ بعض الناس في فهم الشخص المعطاء. يظنون أنه لا يحتاج شيئًا لأنه يمنح كثيرًا، وأنه قوي لأنه يحتمل كثيرًا، وأنه مكتفٍ لأنه يطمئن الجميع. بينما الحقيقة مختلفة تمامًا. فالقلب الذي يوزع الدفء على من يحب، قد يكون أكثر القلوب احتياجًا إلى من يربت عليه. والقلب الذي يجيد الاحتواء، قد يكون في داخله مساحة واسعة تتمنى أن تجد من يحتويها، ولو مرة، دون أن تضطر إلى طلب ذلك.

الرجل يخفي هذا الاحتياج حفاظًا على صورته، والمرأة تخفيه حفاظًا على قلبها. كلاهما يتظاهر بأن الأمور بخير، بينما يتمنى في أعماقه أن يأتي يوم يشعر فيه أن الطرف الآخر يرى ما لا يُقال، ويفهم ما لا يُشرح، ويشعر بما لا تستطيع الكلمات حمله.