تقوم سياسة الدولة الصينية (جمهورية الصين الشعبية) اليوم – وبشكل واضح – على مفهوم “الدولة التنموية صاحبة الحضارة ” في التداول الرسمي الذى بدا ظاهرًا فى الآونة الآخيرة، وقد يكون ظهور هذا المفهوم هو بداية تغيير في الإطار المفاهيمي للتفكير فى السياسات التنموية الداخلية والسياسات الخارجية للعديد من الدول؛ وبخاصة دول جنوب العالم أو مايطلق عليه العالم النامى ومن بينها مصر، علاوة على ذلك؛ فإن التغييرات هذه تتم مقارنتها بسياسات التغريب والهيمنة الأمريكية خاصة بعد الدخول على مشارف التحول إلى نظام متعدد الأقطاب، وبالمقارنة أيضًا بالمبادئ التوجيهية الأساسية لفترة الحرب الباردة التى كانت مقتصرة على الصراع بين الاشتراكى والليبرالى.ويواجه الإطار المفاهيمي الجديد _ الدولة الحضارية _، منافسة جادة مع ثلاث نظريات أساسية مهمة فى فهمنا لطبيعة العلاقات الدولية والسياسات التنموية، فنحن نتحدث عن “الثلاثة الكبار” الليبرالية، والاشتراكية، والمحافظة؛ كل نظرية من هذه النظريات لها مفاهيمها الخاصة _ تفسيراتها _ للعلاقات الدولية والسياسة الخارجية؛ بالإضافة إلى كيفية نهجها لاتباع نظام تنموى شامل، كما يمكن أن يكون التحوّل نحو مفهوم الحضارة خطًا بديلًا للفكر بعيدًا عن حوزة الغرب؛ بفكره ونهجه وسياساته؛ ليس كليًا بل على الأقل يفتح الباب امام أنماط جديدة للحداثة وللمنهج التنموى والسياسى والعلاقات الدولية بعيدًا عن العولمة، وبالتالى هذا سيتطلب تطويرًا فكريًا دقيقًا.وبناءا عليه نرى أن الرؤية الصينية المعاصرة للنظام العالمي تنطلق من فلسفة (مجتمع المستقبل المشترك للبشرية) حيث تعتمد هذه الفلسفة على عدة محاور أهمها:-1- التمييز بين المؤسسات الدولية القائمة وبين توزيع النفوذ والمرجعيات الفكرية داخلها فالصين لا تدعو، في خطابها المعلن، إلى هدم النظام الدولي أو الانسحاب منه، بل تتمسك بالأمم المتحدة والقانون الدولي والتعددية، مع المطالبة بإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية وتوسيع مشاركة الدول غير الغربية.2- "مبادرة الحوكمة العالمية"، التي طرحها شي جين بينغ عام 2025فقد صاغت الصين من خلال هذه المبادرة خمسة مبادئ: المساواة السيادية، واحترام القانون الدولي، والتعددية، والتركيز على مصالح الشعوب، والتركيز على النتائج العملية، وهكذا لم يعد هدف الصين مقصورًا على تأمين موقع داخل النظام القائم، بل أصبح يشمل التأثير في قواعده ومفاهيمه.3- مبادرة الحزام والطريق" عام 2013 لربط آسيا وإفريقيا وأوروبا عبر تنسيق السياسات وشبكات البنية الأساسية والتجارة والتمويل والتبادل المجتمعي، حيث تضع الصين التنمية في قلب تصورها للعدالة الدولية، انطلاقًا من أن المساواة القانونية تظل ناقصة إذا افتقرت دول كثيرة إلى البنية الأساسية والتمويل والتكنولوجيا.4- مبادرة التنمية العالمية" عام 2021 لتسريع تنفيذ أجندة الأمم المتحدة 2030، وذلك من خلال التعاون في مجالات مثل مكافحة الفقر والأمن الغذائي والصحة وتمويل التنمية والتصنيع والاقتصاد الرقمي.5- مبادرة الأمن العالمي"، التي أعلنها شي عام 2022 وصدرت ورقتها المفاهيمية في 2023م، حيث تبنت الدعوة إلى أمن مشترك وشامل وتعاوني ومستدام، يقوم على احترام السيادة وميثاق الأمم المتحدة، ومراعاة الاهتمامات الأمنية المشروعة للدول، وتسوية النزاعات بالحوار.6- مبادرة الحضارة العالمية" التي طرحها شي عام 2023، حيث تدعو إلى احترام تنوع الحضارات، والاعتراف بقيم إنسانية مشتركة، والجمع بين صون الموروث والتجديد، وتوسيع التبادل بين المجتمعات.7- "التحديث من دون تغريب": فكما تطالب الصين بحقها في تطوير مسارها الخاص، تؤكد حق المجتمعات الأخرى في صوغ مؤسسات تتلاءم مع تاريخها، وهي بذلك تطرح سؤالًا يتجاوز الحالة الصينية: كيف يمكن الجمع بين قيم مشتركة وتعدد طرق تجسيدها، من دون فرض نموذج واحد أو تحويل الخصوصية إلى انغلاق حضاري؟8- نموذجًا جديدًا للحداثة ؛ فهى تتبنى نموذجًا بعيدًا عن النموذج الغربى، كما تتبنى مفاهيم جديدة غير مفاهيمه الأساسية؛ فمثلًا لا تعد الانتخابات التنافسية المعيار الوحيد للحكم؛ إذ ترتبط الشرعية بتحقيق نتائج تحسن حياة المواطنين، واختيار مسئولين يمتلكون الكفاءة والخبرة، وقدرة الدولة على الاستجابة للمشكلات وتصحيح سياساتها والحفاظ على النظام والاستقلال.ومن خلال ماسبق نرى أن الصين صاغت عقيدة منهجية ومتطورة بعمق، تقوم على فكرة المكسب الشامل، المصير المشترك للبشرية، التغلب على خطوط التقسيم والصراعات، حيث تعزز الصين الأفكار رغبة في تعزيز تنمية الدول الأخرى من أجل المصلحة المشتركة، على أساس تجربتها الخاصة في التحديث الناجح والشامل، فقد أنشأت الصين، على أساس النظرية الاشتراكية وتجربتها الخاصة في التحديث، منصة أيديولوجية قوية قادرة تمامًا على أن تصبح بديلًا للرؤية الليبرالية للنظام العالمي الحديث.حيث لا تنبع أهمية الرؤية الصينية بالنسبة إلى الجنوب العالمي من كون الصين قوة اقتصادية صاعدة أو ثقلًا موازنًا للغرب فحسب، بل من رؤيتها لقضايا صاحبت هذه الدول منذ إنهاء الاستعمار؛ وهى العلاقة بين السيادة والتنمية، ودور الدولة في التحديث والتطوير، وحق المجتمعات في اختيار أنظمتها السياسية، وإمكان دخول الحداثة من دون التخلي عن الخصوصية التاريخية والثقافية للمجتمعات.حيث تتقاطع التجرية المصرية إلى حد كبير مع التجربة الصينية فى عدد من الرؤى والمنطلقات نوضح أهمها فى اللآتى:1- أن الدولتين تنطلقان من حضارات قديمة جدًا، وتحاول توظيف هذا الإرث فى بناء نموذج حديث يجمع بين التنمية والاستقلال الوطنى والدولة المركزية والهوية الحضارية.2- الربط بين الحداثة والأصالة بمعنى أن التنمية لاتعنى بالضرورة التخلى عن الخصوصية الثقافية. 3- الدولة المركزية ودورها فى التنمية حيث أن هناك تشابه واضح فى إعطاء الدولة دورًا محوريًا فى قيادة عملية التنمية، ووضع الخطط الكبرى، وتوجيه الاستثمارات وتنفيذ مشروعات البنية الأساسية.4- الاستقلال فى القرار الوطنى حيث يشتركان الجانب المصرى والصينى فى التأكيد على أهمية استقلال القرار الوطنى، وعدم التدخل فى شئون الغير.5- التنمية مشروع وطني حيث يتبنى النموذج الصينى التخطيط طويل الأجل، وكذلك الدولة المصرية تتبنى مشروعات وخطط استراتيجية.6- استخدام الحضارة فى العلاقات الدولية، حيث أن مصر توظف تاريخها وثقافتها ومكانتها فى العالم العربى والاسلامى والأفريقى؛ والصين توظف تاريخها وثقافتها وفكرة التواصل الحضارى فى علاقاتها الدولية وهذا مايسمى الدبلوماسية الحضارية.وفى الختام نرى أن التجربة الصينية توسع النقاش حول العلاقة بين النمو الاقتصادي والتطور السياسي، وتقدم لغة تربط التنمية بالكرامة الوطنية، والتعاون بالمساواة، والتعدد الحضاري بحق الشعوب في المشاركة في تعريف معنى التقدم، وتكتسب هذه الرؤية دلالة خاصة من منظور مصري حيث يتضح ذلك فى رؤية مصر 2030م.حفظ الله مصر..