في كرة القدم، لا يظلم الزمن اللاعبين دائمًا، أحيانًا تظلمهم اللحظة، أو الجيل، أو تلك المسافة الصغيرة بين فريقٍ جميل وفريقٍ بطل. هكذا تبدو حكاية كيفن دي بروين مع بلجيكا؛ لاعبٌ امتلك من الموهبة ما يكفي ليقود أي منتخب نحو المجد، لكنه عاش داخل جيلٍ ذهبي بقي قريبًا من القمة أكثر مما ينبغي، دون أن يعتليها كاملة. منذ ظهوره المبكر، بدا دي بروين مختلفًا عن بقية لاعبي الوسط. لم يكن لاعبًا يعتمد على اللمسات الاستعراضية أو الإيقاع البطيء، وإنما عقلًا كرويًا يتحرك بسرعة أعلى من الجميع، يرى المساحة قبل أن تظهر، ويمرر الكرة كما لو أنه يكتب خط سيرها مسبقًا. ومع فولفسبورغ أولًا، ثم مانشستر سيتي لاحقًا، تحوّل إلى أحد أكثر صناع اللعب تأثيرًا في العالم، لاعب يستطيع أن يغيّر شكل المباراة بتمريرة واحدة، أو بقرارٍ لا يراه غيره. لكن صورته الأعمق تشكلت مع المنتخب البلجيكي، فبلجيكا التي امتلكت خلال العقد الأخير واحدًا من أكثر الأجيال ثراءً بالمواهب، من هازارد ولوكاكو وكورتوا إلى تيليمانس وفيرتونغين، دخلت البطولات الكبرى وهي محاطة دائمًا بعبارة واحدة: "الجيل الذهبي". وفي قلب هذا الجيل، وقف دي بروين بوصفه العقل الذي يربط كل شيء؛ اللاعب الذي يمنح الهجوم اتجاهه، ويحوّل الاستحواذ إلى خطر حقيقي. في كأس العالم 2018 بروسيا، بلغ ذلك الجيل ذروته، قاد دي بروين بلجيكا إلى نصف النهائي، وقدم واحدة من أبرز مبارياته أمام البرازيل في ربع النهائي، حين سجّل هدفًا رائعًا وقاد منتخب بلاده إلى انتصار تاريخي على أحد أكبر المرشحين للقب. يومها، بدت بلجيكا وكأنها تقترب أخيرًا من كتابة فصلها الأعظم، قبل أن تتوقف أمام فرنسا في نصف النهائي، ثم تنهي البطولة بالمركز الثالث، أفضل إنجاز مونديالي في تاريخها. لكن تلك البطولة حملت أيضًا شيئًا من مرارة المستقبل، لأنها بدت الفرصة الأقرب لجيلٍ امتلك كل شيء تقريبًا إلا الكأس. ومع مرور السنوات، بدأ الشعور يتسلل بأن الزمن يتحرك أسرع من أحلام ذلك المنتخب. ثم جاءت قطر 2022، وهناك ظهر الوجه الأكثر قسوة للقصة. دخلت بلجيكا البطولة محاطة بالشكوك، وخرجت من دور المجموعات في واحدة من أكبر خيبات المونديال، بدا الفريق مثقلًا بالعمر والضغوط والانقسامات الداخلية، حتى إن دي بروين نفسه أثار الجدل بتصريح قال فيه إن المنتخب "أكبر من أن يفوز بكأس العالم". كان المشهد مختلفًا تمامًا عن روسيا؛ جيل يقترب من النهاية، ولاعب يدرك أن الوقت الذي بدا طويلًا يومًا ما صار يضيق بسرعة. ومع ذلك، بقي دي بروين رمزًا كرويًا نادرًا، فحتى مارس 2026، تجاوز 100 مباراة دولية مع بلجيكا، وسجّل أكثر من 25 هدفًا وصنع عشرات الأهداف الأخرى، لكنه سيظل في ذاكرة كرة القدم الحديثة أكثر من مجرد أرقام؛ سيظل اللاعب الذي جعل التمريرة فنًا مستقلًا، واللاعب الذي منح بلجيكا شخصية كروية لم تعرفها بهذا الوضوح من قبل. ما يميز دي بروين أنه لا يلعب كمن يبحث عن اللقطة، بل كمن يدير المباراة كلها من خلف الستار. تمريراته ليست جميلة فقط، وإنما مؤذية، وتحركاته لا تصنع الاستحواذ فحسب، بل تخلق المساحة التي يأتي منها الهدف. ولهذا ظل لسنوات أحد أكثر اللاعبين تأثيرًا في كرة القدم الأوروبية، حتى حين تغيّرت الأسماء والمدربون من حوله. ومع اقتراب كأس العالم 2026، تبدو القصة معلقة بين احتمالين؛ إما ظهور أخير لقائد يعرف أن الفرص الكبرى لا تتكرر كثيرًا، أو نهاية هادئة لجيلٍ مرّ من اللعبة تاركًا وراءه سؤالًا مؤلمًا: كيف يمكن لفريقٍ بهذا الجمال أن يغادر دون كأس؟ ولهذا، فإن حكاية دي بروين مع المونديال ليست قصة فشل، فالفشل كلمة قاسية على لاعب أعاد تعريف صناعة اللعب في جيله، لكنها أيضًا ليست قصة مكتملة، لأن كأس العالم، مهما كانت ظالمة أحيانًا، تبقى البطولة التي تطلب من العباقرة أكثر من الموهبة وحدها.