البيعة التاريخية سنة 1320هـ.. كيف تنازل الإمام لنجله لتأسيس الدولة الحديثة؟ يُطرح سؤال متكرر عند الحديث عن توحيد المملكة العربية السعودية: أين كان الإمام عبد الرحمن بن فيصل والد الملك عبد العزيز -رحمهم الله- أثناء التوحيد؟ وما الدور الذي أداه؟ ويحتاج الجواب إلى تمييز بين مراحل مختلفة من حياة الإمام عبد الرحمن. أولاً: الإمام عبد الرحمن قبل الاستقرار في الكويت ولد الإمام عبد الرحمن عام 1268هـ/1852م، وهو أصغر أبناء الإمام فيصل بن تركي، وكان عمره أربعة عشر عاماً حين وفاة والده، وهو آخر أئمة الدولة السعودية الثانية، وبعد اشتداد الصراع الداخلي وتقدم نفوذ ابن رشيد، خرجت أسرة آل سعود من الرياض سنة 1309هـ/1891م، ولم تكن رحلة الخروج انتقالاً مباشراً إلى بلد واحد؛ فقد تنقلت الأسرة في البادية، ومرت بقطر والبحرين والأحساء، ثم استقر المقام بالإمام عبد الرحمن وأسرته في الكويت خلال أوائل تسعينيات القرن التاسع عشر. وقد حاول الإمام عبد الرحمن قبل ذلك الحفاظ على نفوذ الأسرة وإعادة ترتيب أوضاعها، كما دخل في اتصالات مع القوى المحلية والعثمانية، وخاض أو تفاوض في قضايا تتصل بالأحساء ونجد. كان هذا السياق مهماً في تكوين الملك عبد العزيز؛ فقد عاش الابن مع والده مرحلة سقوط الدولة، والتنقل في الصحراء، فبدأ عبد العزيز يألف البادية وتحمل الظمأ والجوع والتعب، فوجد عبد العزيز نفسه قبل أن ينضج شبابه في احتكاك بالقبائل، ويراقب التنافس العثماني والبريطاني في الخليج، ويألف خشونة العيش، ولم يكن عبد العزيز يتلقى دروساً نظرية في السياسة فقط، بل كان يرى أمامه كيف تدار المفاوضات، وكيف تتغير موازين القوى، وكيف يمكن أن يؤدي الانقسام الداخلي إلى سقوط دولة. ثانياً: أين كان الإمام عبد الرحمن عند استرداد الرياض؟ عند بداية محاولة استرداد الرياض، كان الإمام عبد الرحمن مقيماً في الكويت، ينتظر أخبار الحملة، بينما كان عبد العزيز يتولى القيادة الميدانية، ولكن قبل الحديث عن الفتح التاريخي العظيم واسترداد الرياض عام 1319هـ/1902م، يجب أولاً العودة إلى المحاولة الأولى التي سبقتها في عام 1318هـ/1901م، والتي تعد النواة التمهيدية الحقيقية لتلك المرحلة الفارقة. ففي ذلك العام، ومع تزايد التوتر السياسي في شبه الجزيرة العربية ورغبة الشيخ مبارك الصباح حاكم الكويت في كسر نفوذ إمارة حائل آل رشيد، تشكل تحالف واسع النطاق، حيث بلغ عدد الجيش عشرة آلاف، خرجوا من الكويت حتى وصلوا صحراء الدهناء وهناك طلب الملك عبد العزيز أن يفترق الجيشان فيذهب هو برفقة ألف رجل من البادية إلى الرياض، ووصلها بعد يومين وانتصر رغم قلة عدد جنوده وعدتهم في تلك المرحلة المبكرة، واستطاع دخول الرياض كلها ما عدا حصن ابن رشيد -المصمك- فعزم على حفر نفق للوصول إليه، وباشر هو ورجاله العمل. أما الجيش الآخر بقيادة الشيخ مبارك فكان قد احتل بلداناً كثيرة من نجد بدون قتال، فقد كان أهلها يرحبون به لعلمهم أنه حليف لابن سعود. غير أن مجريات الأمور أخذت منعطفاً حاسماً حين وقعت معركة الصريف الكبرى في القصيم، في 26 ذي القعدة من نفس السنة، والتي انتهت بانكسار قوات التحالف الكويتي وحلفائه أمام قوات عبد العزيز بن متعب الرشيد. وعندما بلغت أخبار هذه الكارثة العسكرية الملك عبد العزيز وهو على أبواب المصمك، أدرك بحنكته السياسية والعسكرية المعهودة خطورة استمرار الوضع في ظل انقطاع الإسناد، فاضطر مرغماً إلى مغادرة الرياض مؤقتاً لترتيب الصفوف واستراتيجية العمل من جديد. تلك المحاولة الأولى، وإن لم تكتمل بالسيطرة على المدينة، إلا أنها مثلت اختباراً حقيقياً وبداية ناضجة وضعت حجر الأساس لخطوات الملك عبد العزيز المتأنية، لتعقبها بعد أشهر قليلة المحاولة الثانية. ثالثاً: كيف أسهم الإمام عبد الرحمن في إعداد الملك عبد العزيز؟ كان أثر الإمام عبد الرحمن في التوحيد سابقاً على المعارك نفسها، فقد ربى ابنه عبد العزيز في بيت الإمامة، وأطلعه على المجالس والقبائل وشؤون الحكم، وقد شارك عبد العزيز في وفد أبيه للتفاوض مع محمد بن رشيد سنة 1307هـ/1889م، وهو في سن الحادية عشرة، وتدل هذه المشاركة على أن الإمام لم يعزل ابنه عن السياسة، بل أدخله في المواقف التي تحتاج إلى فهم الأشخاص والعهود والخصومات. كما أن رحلة الأسرة من الرياض إلى الكويت جعلت عبد العزيز يعرف مسالك نجد ومناطقها وأهلها، ويعرف الفرق بين النفوذ العسكري والنفوذ الاجتماعي، وقد ساعدته هذه الخبرة بعد خروجه من الكويت على اختيار الطرق، وفهم مواقف القبائل، وتقدير المخاطر. ولذلك يمكن القول إن الإمام عبد الرحمن أدى دوراً تربوياً وسياسياً في صناعة القائد، حتى لو لم يقد بنفسه عملية اقتحام المصمك، فالقيادة الميدانية كانت للملك عبد العزيز، أما التجربة التي سبقت تلك القيادة فكان الإمام عبد الرحمن أحد أهم مصادرها. رابعاً: الإذن بالمشروع وتحمل مخاطره لم تكن موافقة الإمام عبد الرحمن على خروج ابنه قراراً بسيطاً، كان الملك عبد العزيز يطلب الإذن لاسترداد ملك الأسرة، لكن الإمكانات كانت قليلة، والخصوم أقوياء، والنتيجة غير مضمونة، كان يمكن أن تنتهي المحاولة بقتل عبد العزيز أو أسره، أو أن تؤدي إلى مواجهة أوسع مع ابن رشيد والقوى العثمانية. ولكن أصر الملك عبد العزيز على أبيه وألقى عباءته على الأرض، وجلس الإمام عبد الرحمن وأمامه ابنه عبد العزيز الذي قال له: أنت بين خطتين: إما أن تأمر أحد عبيدك بانتزاع رأسي من بين كتفي فأستريح من هذه الحياة، وإما أن تنهض من فورك فلا تخرج من منزل شيخ الكويت إلا بوعد في تسهيل خروجي للقتال في بطن نجد. ويصف الملك عبد العزيز تلك الجلسة التي جاءت بعد وساطة والدته سارة بنت أحمد السديري، ويقول الملك عبد العزيز: شعرت وأنا ألح على أمي في أن يأذن لي أبي بالحركة، أنها كانت بين عاملين؛ عامل حب الابن والإشفاق عليه من أن يزج نفسه في المهالك، وعامل مرضاة عنفوان الفتى وفتح الباب له على مصراعيه. فقال الإمام عبد الرحمن: ترى يا عبد العزيز، ليس لي قصد في أن أقف في سبيل إقدامك، ولكن، كما ترى، موقفنا وحالنا يقضيان باستعمال الحكمة في إدارة أمرنا، أما وقد عزمت، فأسأل الله لك العون والظفر. ثم أضاف مودعاً: ليوفقك الله يا عبد العزيز، اذهب فيما أنت عازم عليه، فقرارات الرجال لا تقف أمامها إرادة. انطلق الملك عبد العزيز حتى وصل الأحساء، فقلق ابن رشيد من تقدمه وكتب إلى حكومة البصرة التابعة للعثمانيين بأنه أصبح خطراً عليه واقترح طرده من الأحساء، ففعلوا ذلك، فاعتصم عبد العزيز ومن بقي معه من الرجال في واحة يبرين، وكتب إليه الإمام عبد الرحمن مشتركاً مع الشيخ مبارك الصباح يدعونه للكف عما هو فيه والعودة إلى الكويت. فجمع الملك عبد العزيز رجاله حوله في مجلس للمداولة، وقرأ عليهم كتاب أبيه ثم قال: لا أزيدكم علماً بما نحن فيه، وهذا كتاب والدي يدعونا للعودة إلى الكويت، قرأته عليكم، ومبارك ينصحنا بالعودة، أنتم أحرار فيما تختارونه لأنفسكم، أما أنا فلن أعرض نفسي لأكون موضع السخرية في أزقة الكويت، ومن أراد الراحة ولقاء أهله والنوم والشبع، إلى يساري. فتواثب الستون رجلاً إلى يمينه، وصاحوا مقسمين على أن يصحبوه إلى النهاية، والتفت عبد العزيز إلى رسول أبيه -وهو حاضر يشهد- وقال له: سلم على الإمام وخبره بما رأيت، واسأله الدعاء لنا، وقل له: موعدنا إن شاء الله في الرياض. خامساً: عودة الإمام إلى الرياض والبيعة قاد الملك عبد العزيز رجاله في العملية التي انتهت بدخول الرياض والسيطرة على قصر المصمك في شوال 1319هـ/يناير 1902م، ونادى المنادي: الملك لله! ثم لعبد العزيز، وبعد أن استتب له الأمر في الرياض، أرسل عبد العزيز يدعو والده وأهله للرجوع إلى الوطن وديار الأحبة، فاستجاب الوالد الإمام، وسلك سبلاً غير مطروقة للحرص والحذر، وخرج الملك عبد العزيز من الرياض على رأس قوة قوامها خمسمائة من الفرسان لاستقبال والده فدخلها الإمام عبد الرحمن ظافراً في جو من الاستقبالات الحماسية الرائعة، بعد أن خرج منها مهاجراً منذ إحدى عشرة سنة. وفي اليوم التالي أرسل عبد العزيز من القصر إلى الوالد في بيته يقول: الإمارة لكم، وأنا جندي في خدمتكم، فأجابه الوالد: إذا كان قصدك من استدعائي إلى الرياض أن أتولى الإمارة، فهذا لن يكون، وليس أمامي إلا أن أخرج منها إذا أصررت. وتدخل العلماء في الأمر، فقالوا لعبد العزيز: على الابن أن يطيع أباه، وقالوا للإمام عبد الرحمن: أنت، بصفتك والداً لعبد العزيز، رئيس له، ثم لأهل نجد، فقال الإمام عبد الرحمن: ولكن الإمارة له، فقال الملك عبد العزيز: إني أقبلها على شرط أن يكون والدي مشرفاً على أعمالي دائماً، يرشدني إلى ما فيه خير للبلاد ويردعني عما يراه مضراً بمصالحها. وفي اجتماع عام حضره علماء الرياض وكبراؤها في باحة المسجد الكبير بالرياض بعد صلاة الجمعة، أعلن الإمام عبد الرحمن نزوله عما له من حقوق في الإمارة لكبير أبنائه عبد العزيز، وأهدى إليه سيف سعود الكبير، نصله دمشقي، وقبضته محلاة بالذهب، وقرابه مطعم بالفضة. ونهض الملك عبد العزيز وارتجل كلمة أكد فيها أنه سيكون الحاكم المؤمن المخلص الذي يعمل لنشر كلمة التوحيد، ويقيم أحكام الدين، ويحارب البدع والخرافات، وبذلك تمت البيعة الأولى للملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود في عام 1320هـ/1902م، وما كان عمره يزيد عن الثانية والعشرين. وتكشف هذه الرواية عن طبيعة العلاقة بين الرجلين: الملك عبد العزيز كان صاحب القوة والمبادرة، والإمام كان صاحب السن والمكانة والشرعية التاريخية، لم تكن البيعة مجرد مشهد عائلي، فقد كان الإمام عبد الرحمن آخر أئمة الدولة السعودية الثانية، ووجوده إلى جانب الملك عبد العزيز منح المشروع الجديد امتداداً سياسياً ورمزيًاً، ومن الناحية العملية، انتقلت القيادة التنفيذية إلى عبد العزيز، مع بقاء الإمام صاحب مكانة عالية ومشورة معتبرة، وإليه يرجع الرأي الأول في الأمور المهمة، وتصف المصادر علاقة الابن بأبيه واحترامه الشديد له في المجالس، وحرصه على ألا يتقدم عليه في الجلوس أو الخطاب. سادساً: الوثيقة، رسالة الإمام سنة 1322ه ـرسالة كتبها الإمام عبد الرحمن إلى الشيخ مبارك الصباح، حاكم الكويت، بتاريخ 14 صفر 1322هـ/30 أبريل 1904م، توضح الرسالة أن الملك عبد العزيز زار الكويت في العام السابق لكتابة الرسالة، وأنه التقى ممثلين روساً وفرنسيين عرضوا نوعاً من الحماية على المناطق التي يسيطر عليها آل سعود، كما تذكر أن عبد العزيز رفض هذه العروض، وأنه ناقش الأمر مع مسؤول بريطاني بحضور الشيخ مبارك الصباح، وفي ختامها يطلب الإمام عبد الرحمن من الشيخ مبارك أن يرفع رسالته إلى المقيم البريطاني في بوشهر، لأن الإمام كان يريد أن يتعامل مع الوضع السياسي بما يحفظ مصالح أسرته وبلاده. وتكمن أهمية الوثيقة في ثلاثة أمور: أولاً: أنها صادرة عن الإمام نفسه وليست رواية لاحقة عنه. ثانياً: أنها تظهر استمرار دوره السياسي بعد عودة الأسرة إلى الرياض. ثالثاً: أنها تكشف أن بناء الدولة لم يكن عسكرياً فقط، بل كان مرتبطاً أيضاً بالمفاوضات الدولية، ومواقف الدولة العثمانية، والتنافس الروسي والفرنسي والبريطاني في الخليج. سابعاً: ما دور الإمام عبد الرحمن خلال توحيد بقية البلاد؟ خلال هذه المرحلة كان الإمام عبد الرحمن في الرياض، لم يكن قائد الحملات العسكرية الكبرى، ولم تنسب إليه قيادة ضم الأحساء أو الحجاز أو عسير، ولكن في عام 1321هـ/1903م، استغاث الشيخ مبارك بالملك عبد العزيز، داعياً إياه لنجدة الكويت ودفع عدوان ابن رشيد بعد أن اقترب من أراضيها، وعلى الفور هب عبد العزيز خارجاً من الرياض على رأس حشد ضخم لنجدته، إلا أن تحركه هذا تبين لاحقاً أنه كان مناورة وخديعة دبرها ابن رشيد؛ بهدف استدراج القوة السعودية وإخلاء الرياض من حاميتها لتسهيل السيطرة عليها. وعندما اتجه ابن رشيد نحو الرياض محاولاً استغلال هذا الفراغ، اصطدم بمقاومة صلبة ودفاع مستميت قاده الإمام عبد الرحمن بكفاءة عالية برفقة أهالي المدينة، وقد أسفرت المعركة التي دارت رحاها على أبواب الرياض خارج السور عن إفشال مخطط ابن رشيد، مما اضطر قواته في نهاية المطاف إلى الانسحاب خائبة إثر فشلها الذريع في تحقيق أهدافها. وكان الملك عبد العزيز هو القائد الميداني وصاحب القرار التنفيذي، بعد استرداد الرياض، انطلق الملك عبد العزيز في توسيع نفوذه وتوحيد أجزاء نجد، ثم استرداد الأحساء سنة 1331هـ/1913م، والسيطرة على مناطق أخرى، وصولاً إلى الحجاز وعسير وتثبيت الدولة وإعلان اسم المملكة العربية السعودية سنة 1351هـ/1932م. وظل الإمام عبد الرحمن يؤدي أدواراً مؤثرة، منها: المرجعية الأبوية: وجوده إلى جانب الملك عبد العزيز حافظ على تماسك الأسرة وأعطى المشروع امتداداً تاريخياً. المشورة: من خلال خبرته السابقة بالحكم والقبائل والعثمانيين جعلته مصدر رأي في القضايا الكبرى. الرمزية الدينية والسياسية: كان آخر أئمة الدولة السعودية الثانية، ولذلك حافظ على صلة الدولة الجديدة بتاريخ الأسرة. العلاقات الاجتماعية: كان يستقبل العلماء والقضاة وأهل البلاد، ويحافظ على شبكة من العلاقات التي تساعد على استقرار المجتمع. الشهادة على بناء الدولة: عاش حتى رأى اتساع ملك ابنه وتحول المشروع من استرداد مدينة إلى بناء دولة واسعة. ثامناً: الفرق بين دور الإمام ودور الملك عبد العزيز؟ كان الإمام عبد الرحمن صاحب الخبرة السابقة والشرعية الأسرية، بينما كان الملك عبد العزيز صاحب المبادرة التنفيذية والقيادة العسكرية. كان الإمام يربي ويأذن وينصح ويحافظ على المرجعية، وكان الابن يخطط للحملات ويقود الرجال ويدير المفاوضات والولايات. ولا يعني ذلك أن دور الإمام ثانوي، فالمشروعات التاريخية لا تقوم بالسيف وحده. الإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود قصر الحكم في الرياض وثيقة خطية، رسالة للملك عبدالعزيز من محمد بن عبدالله بن عثيمين، يشكر فيها الله أن جمعه بوالده الإمام عبدالرحمن الفيصل في الرياض