دور أولياء الأمور في تأهيل الأبناء لمرحلة رياض الأطفال – د.شريف بن محمد الأتربي

في كل عام، وبمجرد انقضاء العطلة الصيفية، يجد الكثيرون من أولياء الأمور أنفسهم أمام لحظة لا تشبه غيرها من اللحظات، فطفلهم الصغير صار على أعتاب مرحلة جديدة من مراحل مستقبله المقبل؛ مرحلة رياض الأطفال. وهو يُوشك أن يخطو خطوته الأولى بعيداً عن الدفء المنزلي المعهود، ومتجه نحو عالم لا يُعرِّفه من قبل، عالم لن يرى فيه سوى الغرابة والجِدَّة. هذا الطفل الذي اعتاد الحرية المطلقة، وحصَّن نفسه بالأمان الأسري، سيضطر فجأةً إلى أن يُقاسم غيره مساحته، وألعابه، وانتباه أمه الجديدة «المعلمة»، وهو الأمر الذي لم يتهيأ أو يهيئ له في أغلب الأحيان.

غير أن ما يُغفل عنه الكثيرون هو أن هذه المرحلة ليست مجرد انتقال بين جُدران، بل هي البنية التحتية لشخصية إنسانية بأكملها. وما يُضفي على هذه القناعة بُعداً إستراتيجياً وطنياً حقيقياً رصدته رؤية المملكة 2030 في أرقام لافتة؛ فقد انطلقت المملكة من معدل التحاق بالروضة لم يتجاوز 13 في المائة، مستهدِفةً بلوغ 90 في المائة بحلول عام 2030 وهو تحوُّل هيكلي غير مسبوق في تاريخ التعليم المبكر بالمنطقة.

والأرقام تُؤكِّد أن المسيرة في مسارها الصحيح؛ إذ تجاوزت نسبة الالتحاق اليوم 34 في المائة بإجمالي يزيد على 400 ألف طفل، ومع استحداث أكثر من 20 ألف فصل دراسي جديد وبناء نحو 1,250 روضة إضافية، تتحوَّل المستهدفات من أرقام في وثيقة إلى واقع ملموس على الأرض. ويُعزِّز هذا المسار تدريبُ 25,000 من متخصصي الطفولة المبكرة على تطبيق المعايير الوطنية، ورفعُ نسبة إسناد تدريس البنين إلى المعلمات لتصل إلى 45 في المائة إدراكاً بأن مرحلة (3-6) سنوات، هي مرحلة الأثر الأعمق، ولا تحتمل المجاملة في الاختيار.

وتؤكد المؤشرات الدولية أن الاستثمار في التعليم المبكر أصبح أحد أهم مؤشرات جودة الأنظمة التعليمية الحديثة، حيث تتجاوز معدلات الالتحاق برياض الأطفال في العديد من دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) نسبة 85 في المائة، بينما تصل في بعض الدول الإسكندنافية إلى أكثر من 95 في المائة. وهو ما يعكس أهمية الجهود التي تبذلها المملكة للوصول إلى مستهدفات طموحة تضعها في مصاف الدول المتقدمة في هذا المجال.

وفي السياق ذاته، تكشف بيانات الهيئة العامة للإحصاء أن 82.3 في المائة من الأطفال في الفئة العمرية (24-59 شهراً) يسيرون على مسار النماء الصحيح في الصحة والتعلم والرفاه النفسي، فيما تبلغ نسبة مشاركة الأطفال في التعلم المنظم قبيل الالتحاق الرسمي بالتعليم الابتدائي 64.03 في المائة. مؤشرات تدل على زخم حقيقي، لكنها تُذكِّر في الوقت ذاته بأن الطريق لا يزال أمامه شوط طويل.

من هنا، لم يعد الاستعداد للروضة هو مجرد شراءَ حقيبة وقِرطاسية؛ بل أصبح عملية تأهيل إستراتيجية متكاملة، تشمل الجوانب الإنسانية والسلوكية والأسرية، مما يستدعي معه حدوث شراكة فعلية بين الأسرة ومؤسسات التعليم، لا انتظاراً من أحد الطرفين على حساب الآخر.

أولاً: التأهيل الإنساني. قبل أن يُعلَّم الطفل كيف يقرأ، علِّمه كيف يرى الآخر الانتقال من الفردية المطلقة داخل المنزل إلى جماعية الصف الدراسي لا يُدار بالتعليمات وحدها، بل يحتاج إلى بذر وعيٍ إنساني مبكر يُحصِّن الطفل من استيراد سلوكيات التنمر أو الوقوع ضحيةً لها.

ويبدأ ذلك بتدريب الطفل على أن الاختلاف بين رفاقه في المظهر أو القدرات أو اللهجة، هو مصدر ثراء لا مادة للسخرية. ويمكن تحقيق ذلك عبر إستراتيجية تبادل الأدوار (Role-Playing)؛ حين يُمثِّل الوالدان مع طفلهما مشاهد يومية حقيقية، كدمية تُرفض مشاركتها اللعب، ثم يسألانه ببساطة: كيف تشعر هذه الدمية الآن؟ فهذا السؤال الصغير يفتح باباً واسعاً نحو التعاطف.

وهو ما يُشير إليه النموذج الفنلندي في التعليم المبكر، الذي يُؤجِّل الأكاديميات الجافة ليُقدِّم اللعبَ الجماعيَّ المنظَّم بوصفه أداةً لبناء مجتمع طفولي متعاطف قبل أن يكون تنافسياً، وهو توجُّه يتقاطع مع ما تتبناه وزارة التعليم في منهجها الوطني من التركيز على التطور الاجتماعي والعاطفي بوصفه ركيزةً أساسية، لا إضافةً ترفيهية.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن المهارات الاجتماعية والعاطفية التي يكتسبها الطفل في سنواته الأولى تعد من أقوى المؤشرات على نجاحه الأكاديمي والمهني مستقبلًا، بل إن بعض الدراسات ترى أن القدرة على التعاون والتواصل وحل المشكلات قد تكون أكثر تأثيرًا على النجاح المستقبلي من بعض المهارات الأكاديمية المبكرة.

ثانياً: التأهيل السلوكي. من الحرية إلى الانضباط الواعي حين ينتقل الطفل من حرية البيت إلى نظام المؤسسة، لا يكفي أن نأمره بالامتثال، بل ينبغي أن نجعله يُدرك أن الانضباط لا يعني القيد، بل يعني الاحترام المتبادل.

ومن أكثر الأساليب فاعلية في هذا السياق تبنِّي ما يمكن تسميته إستراتيجية «إشارات المرور السلوكية»، وهي عبارة عن لوحة بصرية بالألوان الثلاثة تُوضع داخل المنزل، يعني الأخضرُ فيها السلوكَ الملتزم، والأصفرُ التنبيهَ والمراجعة، والأحمرُ الرفضَ القاطع، مما يُنمِّي لدى الطفل الرقابة الذاتية قبل أن يحتاج إلى رقابة خارجية.

كذلك يُسهم تعويده على مفاهيم بسيطة كالانتظار، والاستئذان، وترتيب ما أفسده من لعَب،.. في تكوين إطار معرفي يجعله يستوعب نظام الروضة طبيعياً لا غريباً. وهو مبدأ تُكرِّسه معايير هيئة تقويم التعليم والتدريب في تقويم مدارس الطفولة المبكرة، والتي تُولي البيئة التعليمية الآمنة والمنظَّمة أهمية قصوى باعتبارها شرطاً أساسياً لأي مخرج تعلُّمي جيِّد.

ويُلتقي هذا التوجه مع منهج «ريجيو إميليا» الإيطالي الذي يُعامل الطفل منذ سنواته الأولى بوصفه «مواطناً صغيراً له حقوق وعليه واجبات»، مما يُسهِّل عليه استيعاب الأنظمة دون الشعور بالقمع. وهو ما يتواءم مع توجُّه المنهج الوطني في دمج «STEAM» (العلوم والتكنولوجيا والهندسة والفنون والرياضيات) في بيئة تعلُّمية قائمة على الاستكشاف واللعب، بما يستلزم طفلاً مُهيَّأً سلوكياً لتلقِّي هذا النوع من التعلم التفاعلي.

وتؤكد التجارب التعليمية الرائدة عالميًا أن الأطفال الذين يكتسبون مهارات التنظيم الذاتي والانضباط الواعي قبل دخول المدرسة يكونون أكثر قدرة على التكيف مع البيئة التعليمية، وأقل عرضة للمشكلات السلوكية وصعوبات التعلم خلال السنوات الدراسية اللاحقة.

ثالثاً: إدارة قلق الانفصال. التحدي الذي لا يُقرأ في الكتب لن يجد الطفل في الغالب كلماتٍ يُعبِّر بها عن خوفه من فقدان دفء المنزل، لكنه سيُترجمه ببكاء عند الباب، أو صمتاً مُحيِّراً في الصف. والتعامل مع هذا القلق لا يستلزم خطاباً طويلاً، أو تعنيفا سواء أكان لفظيا أو بدنيا، بل يستلزم وجود بروتوكول وداع واضح ومتسق، وداع سريع، وابتسامة حقيقية، وعبارة زمنية محددة تُنشئ لديه إحساساً بالموثوقية، كأن تقول: «سأعود لأخذك حين ينتهي وقت القصة». الإطالة والتردد هما العدو الحقيقي هنا، لأنهما يُضخِّمان القلق بدلاً من تبديده. ويُضاف إلى ذلك ما يُعرف في علم النفس التنموي بـ«الجسم الانتقالي»: السماح للطفل بحمل شيء صغير يَألَفه مثل: لعبة مفضَّلة، أو منديل يحمل رائحة الأم، أو...، كجسر نفسي بينه وبين بيئته الجديدة في الأيام الأولى.