تناولت محاضرات فعاليات دورة «الفتوى وقضايا الإدمان والمخدرات» اليوم الثاني، عددًا من الأبعاد الشرعية والفكرية والإعلامية والأسرية المرتبطة بمواجهة الإدمان والمخدرات، بمشاركة نخبة من علماء الشريعة والمتخصصين، حيث ناقشت المحاور المطروحة سبل حماية العقل والإنسان والأسرة، وتطوير الخطاب الإفتائي والإعلامي، وتعزيز أدوار الوقاية والعلاج والتعافي، بما يواكب تعقيدات الظاهرة وتعدد آثارها على الفرد والمجتمع.
يأتي ذلك في إطار فعاليات دورة «الفتوى وقضايا الإدمان والمخدرات.. رؤية شرعية ومجتمعية»، التي يعقدها مركز التدريب بدار الإفتاء المصرية بالتعاون مع صندوق مكافحة وعلاج إدمان المخدرات، تحت رعاية الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم،
وفي مستهل المحاضرات، قدم الدكتور عبد الله النجار، الأستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر الشريف وعضو مجمع البحوث الإسلامية، معالجة فقهية لمكانة العقل في البناء التشريعي والإنساني، منطلقًا من أن الله تعالى ميّز الإنسان بالعقل وجعله أساسًا للتكليف والمسؤولية واستحقاق الحقوق والالتزام بالواجبات.
وتابع تتكامل منظومة المقاصد الشرعية في حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، مع أهمية النظر إلى المال بوصفه وسيلة لحفظ غيره من المقاصد في بعض السياقات المعاصرة، وبذلك يصبح الاعتداء على العقل أو تعطيله اعتداءً على أصل من أصول الأهلية الإنسانية، خاصة أن العقل هو مناط المسؤولية والتمييز والقدرة على إدراك الأوامر والنواهي وتحمل نتائج الأفعال، وأن فقدانه أو إفساده ينعكس بصورة مباشرة على أهلية الإنسان وتصرفاته وحقوقه وواجباته.
كما استعرض دلالات التكريم الإلهي للعقل وارتباطه ببناء الإنسان واستخلافه في الأرض وقدرته على الإعمار وتحمل الأمانة.
وبيَّن الأستاذ بكلية الشريعة والقانون أن الإدمان يمثل اعتداءً مركبًا على منظومة المقاصد، إذ لا يقتصر أثر المخدرات على إفساد العقل، وإنما قد يقود الإنسان إلى التفريط في ماله وعرضه ونفسه وكرامته من أجل الحصول على المادة المخدرة، فضلًا عما يترتب عليها من جرائم واتجار وتعاطٍ واستغلال وإفساد للمجتمع.
وأوضح أن الشريعة جاءت لتكون حاكمة لكل زمان ومكان، بما يقتضي استيعاب المستجدات والنظر في آثارها الواقعية، وأن تطور صور الجريمة وخطورة المخدرات وما يترتب عليها من أضرار واسعة يقتضي فهم طبيعة العقوبات التعزيرية وإمكان تطورها بحسب حجم الضرر والمصلحة العامة، مشيرًا إلى أن مواجهة المخدرات أصبحت أكثر تعقيدًا من كثير من صور الجريمة التقليدية لما تمثله من استهداف مباشر للعقل وما ينتج عنها من تعطيل لمنظومة المسؤولية وإهدار لمقاصد الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
وفي المحور المتعلق بالتعافي، تناول الدكتور عباس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء، في محاضرته بعنوان «التعافي من الإدمان.. رؤية شرعية»، قضية الإدمان في ضوء التجربة التشريعية الإسلامية في التعامل مع بعض العادات المتجذرة في المجتمع.
واستحضر نموذج الخمر وكيف تعامل الإسلام معها بصورة تراعي واقع المجتمع واستعداد أفراده للتغيير، حيث بدأ التشريع ببيان ما فيها من إثم ومضار ومنافع، ثم جاء النهي عن الصلاة حال السكر، وصولًا إلى التحريم الكامل، وهو ما كشف عن أهمية بناء الوعي وإعادة تشكيل القناعات قبل الانتقال إلى مرحلة المواجهة النهائية، خاصة أن المجتمع في صدر الإسلام كان قد اعتاد الخمر وجعلها جزءًا من مظاهر الكرم والمجالس، حتى تبدلت النظرة إليها تدريجيًّا وأصبح أفراد المجتمع أنفسهم أكثر استعدادًا للتخلص منها، فكان الامتثال النهائي سريعًا وقاطعًا عندما نزل التحريم، بما يقدم نموذجًا مهمًّا في فهم طبيعة التغيير السلوكي والاجتماعي.
وفي سياق متصل، دعا الأمين العام لهيئة كبار العلماء إلى الإفادة من هذا المنهج في التعامل مع الإدمان، من خلال مساعدة المدمن على التخلص التدريجي والمنظم من آثار المخدرات تحت إشراف متخصصين، مع ضرورة توافر الإرادة القوية والرغبة الحقيقية في العلاج، مؤكدًا أن دور الفتوى لا يقتصر على بيان الحكم الشرعي، وإنما يشمل أيضًا مواجهة الشبهات والمفاهيم المغلوطة التي تحاول التفريق بين أنواع المخدرات أو تغيير حكمها بتغيير أسمائها ومصادر تصنيعها، فالعبرة في التحريم بما تحدثه هذه المواد من إفساد للعقل والبدن والنفس، وأن المواد المصنعة كيميائيًّا لا تقل خطرًا عن الخمر التي كانت معروفة قديمًا، بل قد تكون أشد فتكًا وأعظم ضررًا، وهو ما يستدعي خطابًا شرعيًّا واعيًا يواجه التحايل على الأحكام من خلال الأسماء والمصطلحات ويضع معيار الضرر والإفساد في مقدمة النظر الشرعي.
وعلى صعيد الإعلام ودوره في تشكيل الوعي، قدم الدكتور إبراهيم نجم، الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم والمستشار العام لفضيلة المفتي، محاضرته بعنوان «التناول الإعلامي لقضايا الإدمان بين الواقع والمأمول»، مستعرضًا جملة من القضايا الفكرية والواقعية المرتبطة بوظيفة الإعلام ورسالته، وما يضطلع به علماء الدين في التعامل مع الظواهر الاجتماعية المعقدة، موضحًا أن التحولات الفكرية التي أعقبت عصر التنوير أوجدت مفاهيم جديدة في دراسة الظواهر الإنسانية، وأن التعامل مع قضية الإدمان يحتاج إلى تجاوز المعالجة الجزئية نحو رؤية شاملة تستفيد من علوم الاجتماع والنفس والإعلام وغيرها، مع إدراك أن الرسالة الإعلامية بما تتضمنه من كتابات وبرامج وأعمال درامية ينبغي أن تستحضر مسؤوليتها تجاه الإنسان والمجتمع، وأن تسهم في تنمية الوعي والتزكية وتحقيق المقاصد والقيم، بدلًا من إعادة إنتاج صور نمطية تجعل العنف أو البلطجة أو التعري الأخلاقي أو بعض السلوكيات المنحرفة نماذج قابلة للتقليد، أو تقدم تعاطي المخدرات في سياقات تبريرية أو جاذبة.
وقد عرض المستشار العام لفضيلة المفتي ملامح التحول الذي أصاب البيئة الإعلامية في ظل منطق السوق، حيث أصبحت اعتبارات الربح والخسارة حاضرة في صناعة المحتوى، بما يفرض ضرورة إعادة التفكير في مفهوم الموضوعية والمسؤولية الإعلامية، مع تطوير أدوات علماء الدين للتعامل مع واقع سريع التغير تتداخل فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والدراسات المستقبلية وتتعقد فيه احتياجات الإنسان، داعيًا إلى انفتاح عالم الدين على العلوم الأخرى والاستفادة منها في تقديم الاستشارات في مختلف مناحي الحياة، بما يعرف في بعض السياقات بظاهرة «تشابلنسي»، وما يرتبط بها من دعم روحي ومشورة واستماع ونصح وتوجيه وإحالة إلى المتخصصين ومتابعة الحالات وفق بروتوكولات واضحة، مشددًا على أهمية إعداد أدلة إرشادية تتكامل فيها العلوم لمعالجة القضايا الواقعية، وإيجاد بروتوكولات علمية معتمدة تمكن رجل الدين من أداء دوره بصورة أكثر فاعلية، مع استحضار نماذج لرموز دينية نجحت في الجمع بين العقيدة والعبادة والأخلاق والإصلاح الاجتماعي والقيام بدور بناء في مواجهة الأوبئة المجتمعية ومنها المخدرات.