جاء توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، بناءً على ما عرضه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بإجراءات داعمة للمواطنين بالتزامن مع تعديل مرتقب لتعريفتي الكهرباء والمياه من مطلع الشهر المقبل 2027، ليؤكد استمرار أولوية وأهمية حماية مستوى المعيشة ومراعاة الأبعاد الاجتماعية للإصلاحات الاقتصادية، وتحقيق التوازن بين استدامة الخدمات الأساسية والمحافظة على قدرة الأسر على الوفاء باحتياجاتها.
وتتزامن هذه الإجراءات مع إعلان تعديل تعريفتي الاستهلاك اعتبارًا من الأول من يناير 2027، وتشمل زيادة بدل شهري بقيمة 500 ريال للموظفين المدنيين والعسكريين المشمولين على سلالم الخدمة المدنية وبنود برامج التشغيل، والمتقاعدين، وأفراد عائلة المشترك أو المتقاعد المتوفى الخاضع لنظام التأمينات الاجتماعية، إضافة إلى دعم شهري بالقيمة نفسها للأسر المستفيدة من الضمان الاجتماعي، وفق الآليات والضوابط المنظمة، وتصب هذه المتغيرات المهمة في مواصلة الاهتمام بالاحتياجات الإساسية للمواطن وعدم تأثره بأي متغيرات طارئة، وفي الوقت نفسه محفزة أساسية للمحافظة على موارد الكهرباء والماء وترشيدهما، حيث أن الفئات التي تتحكم بالاستخدام العادل والمنطقي لهذه الموارد المهمة ستكون في مأمن عن أي تأثير ملموس في استهلاكها المعتاد للماء والكهرباء.
الإصلاح الاقتصادي
ويعكس اقتران تعديل التعرفة بهذه المساندة نهجًا يربط الإصلاح الاقتصادي بالاستقرار الاجتماعي؛ إذ يتيح الدعم المباشر تخفيف الأثر المالي على المستفيدين، ويساعد الأسر على ترتيب أولويات الإنفاق، مع المحافظة على الحوافز التي تشجع الاستخدام الرشيد للكهرباء والمياه، وتزداد أهمية هذا التوازن لدى الفئات ذات الدخول المحدودة والمعاشات الثابتة، الأكثر تأثرًا بتغير تكاليف الاحتياجات الأساسية.
وتبرز أهمية إصلاح أسعار الطاقة والمياه في تعزيز كفاءة استخدام الموارد، والحد من الهدر، وتشجيع اقتناء الأجهزة الموفرة وتحسين كفاءة المباني وإصلاح تسربات المياه. كما تتيح التعرفة الملائمة اقتصاديًا دعم استدامة تقديم الخدمات والاستثمار في البنية التحتية، ومواكبة النمو السكاني والعمراني والتوسع الصناعي والسياحي، بما يعزز موثوقية الإمدادات اللازمة لاستمرار التنمية.
ومن المنظور الاقتصادي، يتيح توجيه المساندة إلى المواطنين بصورة مباشرة تحسين كفاءة الدعم الحكومي؛ فالدعم المرتبط بانخفاض سعر الخدمة تتفاوت الاستفادة منه بحسب حجم الاستهلاك، بينما تمنح التحويلات النقدية المستفيد قدرة أكبر على إدارة احتياجاته. وتحتفظ الأسرة التي تنجح في ترشيد استهلاكها بالوفر المتحقق، ما يعزز أثر الدعم في ميزانيتها ويشجع السلوك الاستهلاكي المسؤول.
وتمتد الحزمة إلى العاملين السعوديين في منشآت القطاع الخاص، من خلال رفع الحد الأدنى للأجر اللازم لاحتساب العامل السعودي كاملًا في نسب التوطين ضمن برنامج «نطاقات» إلى خمسة آلاف ريال بعد ستة أشهر من تاريخ بدء الإجراء، ثم إلى ستة آلاف ريال بعد اثني عشر شهرًا من تطبيق الزيادة الأولى، بما يستهدف تحسين مستويات الأجور ودعم استدامة توظيف المواطنين، وتحقيق الاستقرار الوظيفي والمجتمعي لهم، والحرص على تحقيق مواكبتهم لمختلف ظروف التحديات والمتغيرات الاقتصادية التي تؤثر على مختلف الدورات الاقتصادية العالمية، وكذلك على مستوى الوطني.
تحفيز المنشآت
وتكمن أهمية هذا المسار في تعزيز جاذبية وظائف القطاع الخاص وتحفيز المنشآت على تقديم أجور أفضل، من خلال العديد من حزم الدعم الحكومي التي وكبتها رؤية السعودية 2023، فضلا عن حزم متنوعة من الدعم الإعفاء وتأجيل العديد من الرسوم الحكومية والواجبة السداد، وبلا شك فأن ذلك يحقق ويدعم في الوقت نفسه الاستقرار الوظيفي، ويزيد قدرة العاملين على التخطيط المالي. ويتعلق الإجراء بشرط احتساب العامل السعودي كاملًا في نسب التوطين، ولذلك يرتبط أثره باستجابة المنشآت وتطوير سياساتها للأجور والتوظيف، إلى جانب الاستثمار في التدريب ورفع الإنتاجية.
وتمنح المراحل الزمنية المعلنة المنشآت فرصة لمواءمة هياكل الرواتب وخطط التشغيل مع المتطلبات الجديدة، وتقدير احتياجاتها المالية والبشرية. كما تتيح ربط تحسين الأجور بتطوير مهارات الموظفين ورفع كفاءة الأداء، بما يساعد على بناء وظائف أكثر استقرارًا، ويعزز العلاقة بين نمو دخل العامل والقيمة التي يضيفها إلى المنشأة والاقتصاد.
المساندة الشهرية
وعلى مستوى الدورة الاقتصادية الوطنية، يُتوقع أن تسهم المساندة الشهرية من الدولة في تحقيق أثر مهم ومباشر، وخاصة أن تحسين الأجور يدعم حضور وزيادة القدرة الشرائية والمحافظة على الطلب المحلي المتوزان، مع انتقال جانب من الدخل إلى أسواق التجزئة والخدمات والنقل والأنشطة اليومية. ويمكن أن تستفيد المنشآت الصغيرة والمتوسطة من استمرار الإنفاق الأسري الثابت، بما يدعم إيراداتها وقدرتها على التشغيل والتوظيف، دون افتراض تعويض موحد لجميع الأسر عن تغير تكاليف الاستهلاك.
وتعزز هذه الإجراءات تكامل السياسات الاقتصادية والاجتماعية عبر الجمع بين كفاءة استخدام الموارد، والمساندة المباشرة للمستحقين، وتحسين دخول العاملين. ويظل وضوح آليات التنفيذ والاستحقاق، ومتابعة جودة الخدمات وتطور تكاليف المعيشة، عناصر أساسية لتعظيم أثر الحزمة، وترسيخ الثقة في مسار الإصلاح، ودعم اقتصاد أكثر كفاءة وقدرة على توفير فرص العمل وتحسين جودة الحياة.
بيئة الأعمال وسوق العمل
وتعد هذه المتغيرات جزء مهم ويعول عليه من خلال مواصلة الدعم الحكومي، والاهتمام بتطوير قطاع الخدمات وتحقيق الاستقلالية له من خلال تحفيز الإيرادات، وتحقيق جودة الخدمات وتطويها وسهولة تقديمها للمواطن والمقيم، وكذلك تحقيق أسس وأنظمة الشفافية والحكومة، وهي في الوقت نفسه غير بعيدة عن ما شهده الاقتصاد السعودي خلال الأعوام الخمسة الماضية، من تسارعًا جلي في الإصلاحات التشريعية والتنظيمية، وهي محور أساسي ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، لبناء قاعدة إنتاجية أكثر تنوعًا، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، وتحسين جاذبية الاستثمار. واتسع نطاق التحول ليشمل بيئة الأعمال وسوق العمل والخدمات الحكومية والقطاعات الواعدة، مع التركيز على استدامة النمو وتوليد فرص العمل ورفع كفاءة استخدام الموارد، وبرز تحديث الأنظمة الاقتصادية بوصفه ركيزة لهذا المسار؛ إذ بدأ سريان نظام الشركات الجديد في يناير 2023، لتطوير البيئة التنظيمية وتيسير ممارسة الأعمال. كما عزز نظام الاستثمار المحدث ضمانات المستثمرين، وأقر المساواة بين المستثمر المحلي والأجنبي في الظروف المماثلة، وحماية الحقوق وتبسيط الإجراءات، بما يساعد على خفض العوائق التنظيمية وتعزيز الثقة في السوق السعودية.
مشاركة القطاع الخاص
وشكل التوسع في مشاركة القطاع الخاص محورًا موازيًا، عبر تطوير أطر الشراكة والتخصيص، وإتاحة فرص استثمارية في الخدمات والبنية التحتية. ووفر نظام التخصيص الصادر عام 2021 إطارًا لتنظيم هذه المشروعات، بهدف تحسين الخدمات وكفاءة تشغيل الأصول. ويتيح هذا المسار توظيف الخبرات والتمويل الخاصين، مع أهمية وضوح العقود ومؤشرات الأداء وحماية مصالح المستفيدين.
وفي سوق العمل، اتجهت الإصلاحات إلى تحسين التنظيم ورفع كفاءة التوظيف وتطوير المهارات وتعزيز مشاركة المرأة. وأشار صندوق النقد الدولي في تقييمه لعام 2025 إلى تحسن البيئة التنظيمية ورأس المال البشري ومشاركة النساء، وانخفاض بطالة الشباب والنساء إلى نحو النصف خلال أربع سنوات، بما يعكس اتساع فرص المشاركة الاقتصادية وتقدم التحول في سوق العمل، وقد تزامن ذلك مع توسيع قاعدة الأنشطة غير النفطية، من السياحة والترفيه والثقافة إلى التقنية والخدمات اللوجستية والصناعة. وأسهم تطوير المناطق الاقتصادية والمراكز اللوجستية والمدن الصناعية في خلق فرص جديدة للأعمال، بينما دعم برنامج المقرات الإقليمية موقع المملكة مركزًا للشركات الدولية. كما فتح التحول الرقمي مجالات أوسع لريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة والتقنية المالية، وفق تقرير الرؤية لعام 2025.
إدارة المالية العامة
وامتدت أولويات الإصلاح إلى إدارة المالية العامة، من خلال تنمية الإيرادات غير النفطية وتحسين كفاءة الإنفاق وترتيب الاستثمارات وفق أثرها الاقتصادي. وتبرز هنا أهمية الموازنة بين تمويل التحول والمحافظة على الاستدامة المالية، وربط إصلاح الدعم بشبكات حماية اجتماعية أكثر استهدافًا، وهو اتجاه أكد صندوق النقد أهمية مواصلته لضمان استمرارية التنويع وحماية الفئات المستحقة.
وتكشف هذه المسارات عن انتقال تدريجي نحو اقتصاد تتعدد مصادر نموه وتتسع فيه مسؤولية القطاع الخاص. وتظل المرحلة المقبلة مرتبطة بتحويل التحسينات التنظيمية إلى إنتاجية أعلى وصادرات أكثر تنوعًا ووظائف مستدامة، مع تسهيل التمويل للمنشآت الصغيرة وربط التعليم باحتياجات السوق، وبذلك تتجاوز قيمة الإصلاحات زيادة النشاط الآني إلى بناء قدرة اقتصادية أكثر مرونة على مواجهة التقلبات وتحسين مستوى المعيشة لمختلف الفئات في المجتمع المحلي.
تعريفة المياه
تعريفة الكهرباء