تدخل إثيوبيا مرحلة سياسية ودستورية شديدة الحساسية وذلك تزامنًا مع اختتام أعمال مؤتمر الحوار الوطني في العاصمة أديس أبابا، بمشاركة نحو أربعة آلاف شخص، وسط مقترحات تستهدف إعادة النظر في عدد من القضايا التي شكلت جوهر النظام السياسي الإثيوبي خلال العقود الماضية.
ولا تبدو أهمية المؤتمر في حجم المشاركة فقط، وإنما في طبيعة الملفات المطروحة للتصويت، والتي تمتد من شكل النظام الفيدرالي ولغات العمل الوطنية، إلى نظام الحكم، ووضع العاصمة أديس أبابا، ومدينة دير داوا، وحق تقرير المصير، وإدارة الموارد الطبيعية.
وبذلك، فإن المخرجات المرتقبة لا تتعلق بتعديلات سياسية محدودة، وإنما يمكن أن تفتح الباب أمام إعادة صياغة العلاقة بين الدولة المركزية والأقاليم والقوميات، بما قد يؤثر بصورة مباشرة في مستقبل إثيوبيا ووحدة مؤسساتها واستقرارها السياسي.
يأتي الحوار الوطني في بلد شديد التنوع القومي واللغوي، حيث ارتبط الاستقرار السياسي خلال العقود الماضية بقدرة الدولة على إدارة العلاقة بين المركز والأقاليم والمكونات القومية.
ويعد النظام الفيدرالي القائم أحد أهم مرتكزات هذه المعادلة، ولذلك فإن المقترح الخاص بالإبقاء على الفيدرالية مع تحويلها إلى نظام «متعدد القوميات» يحمل دلالة سياسية مهمة.
فالفكرة المطروحة لا تعني بالضرورة إلغاء الفيدرالية، وإنما إعادة تعريفها بما يسمح بتعايش قوميات متعددة داخل الإقليم الواحد، وهو ما قد يمثل محاولة لتجاوز أحد أكثر الملفات حساسية في التجربة الإثيوبية، والمتمثل في ارتباط الأقاليم بهويات قومية محددة.
لكن نجاح هذا التحول سيعتمد على كيفية صياغته دستوريًا، ومدى قبول القوميات المختلفة به، وقدرته على تحقيق توازن بين حقوق الجماعات من جهة والحفاظ على وحدة الدولة من جهة أخرى.
من أبرز المقترحات المطروحة حذف الفقرة الثامنة من المادة 39 من الدستور، المرتبطة بحق تقرير المصير وصولًا إلى خيار الانفصال.
ويمثل هذا المقترح تحولًا بالغ الحساسية؛ لأن حق تقرير المصير كان أحد أهم الأسس التي قامت عليها صيغة الدولة الإثيوبية الحديثة بعد اعتماد النظام الفيدرالي القائم.
ومن الناحية السياسية، فإن تقليص هذا الحق قد يعزز وحدة الدولة ويمنح الحكومة المركزية مساحة أكبر لإدارة الملفات السيادية، لكنه في المقابل قد يثير مخاوف لدى قوميات ترى أن حق تقرير المصير يمثل ضمانة دستورية أساسية لحماية هويتها ومصالحها.
وهنا تظهر المعادلة الأصعب أمام إثيوبيا: كيف يمكن الحفاظ على وحدة الدولة من دون أن تشعر القوميات بأن النظام الجديد ينتقص من حقوقها السياسية والدستورية؟
من أكثر المقترحات إثارة للتغيير اعتماد نظام رئاسي تكون فيه مدة ولاية الرئيس ست سنوات، مع السماح بولايتين فقط.
ويمثل الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي تغييرًا جوهريًا في بنية السلطة السياسية.
فالنظام الرئاسي يمكن أن يوفر مركزًا واضحًا للقرار السياسي، ويحد من احتمالات عدم الاستقرار الناتجة عن الصراعات داخل الائتلافات البرلمانية، لكنه في الوقت ذاته يطرح سؤالًا أساسيًا حول حدود صلاحيات الرئيس وآليات الرقابة على السلطة التنفيذية.
وفي بلد متعدد القوميات مثل إثيوبيا، فإن تركيز السلطة في مؤسسة الرئاسة قد يتحول إلى مصدر جديد للتنافس القومي والسياسي إذا لم يصاحبه نظام قوي للرقابة والتوازنات السياسية.
لذلك، فإن مستقبل المقترح الرئاسي لن يتحدد فقط بمدة الولاية وعددها، وإنما أيضًا بطبيعة البرلمان، واستقلال القضاء، وصلاحيات الأقاليم، وآليات تداول السلطة.
يمثل وضع أديس أبابا إحدى أكثر القضايا تعقيدًا في المشهد الإثيوبي.
ويطرح المؤتمر اعتماد أديس أبابا عاصمة لإثيوبيا ومقرًا لإقليم أوروميا، وهو ترتيب قد يبدو إداريًا في ظاهره، لكنه يحمل أبعادًا سياسية وقومية عميقة.
فالعاصمة تقع جغرافيًا داخل إقليم أوروميا، بينما تمثل في الوقت نفسه المركز السياسي والاقتصادي للدولة بأكملها.
ومن ثم، فإن تنظيم العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وإقليم أوروميا بشأن الأرض والإدارة والموارد والحقوق السياسية للسكان سيظل أحد أهم الاختبارات أمام أي صيغة دستورية جديدة.
تقدم دير داوا نموذجًا آخر للتحديات التي تواجه إعادة صياغة النظام السياسي.
ويقترح المؤتمر الإبقاء على المدينة تحت الإدارة الفيدرالية المباشرة، مع إلغاء صيغة تقاسم السلطة الحالية والسماح للسكان بانتخاب إدارة المدينة بصورة مباشرة.
ويعكس هذا المقترح اتجاهًا نحو منح السكان دورًا أكبر في اختيار الإدارة المحلية، لكنه في الوقت نفسه قد يعيد فتح النقاش حول تمثيل المكونات القومية المختلفة داخل المدينة.
وبالتالي، فإن تجربة دير داوا قد تتحول إلى نموذج يمكن تعميمه في إدارة المناطق التي تتداخل فيها الهويات القومية.
يمثل مقترح اعتماد الأمهرية والأورومية والصومالية والعفرية والتغرينية كلغات وطنية للعمل، مع دراسة إضافة لغات أخرى مستقبلًا، محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والتنوع اللغوي.
فاللغة في إثيوبيا ليست مجرد وسيلة للتواصل الإداري، وإنما ترتبط بالهوية والانتماء والتمثيل السياسي.
ومن شأن الاعتراف بعدد أكبر من اللغات أن يعزز الشعور بالمشاركة، لكنه في المقابل يفرض تحديات عملية تتعلق بالتعليم والإدارة والقضاء والإعلام والمؤسسات الحكومية.
وهنا سيكون التحدي الحقيقي هو تحويل الاعتراف الدستوري والرمزي باللغات إلى سياسات عملية قابلة للتنفيذ.
يعد ملف الموارد الطبيعية من أخطر الملفات التي يمكن أن تحدد مستقبل الحوار الوطني.
فالمطالبة بالنص الدستوري الواضح على كيفية إدارة وتقاسم الموارد، إلى جانب المطالب المتعلقة بحصة السكان الصوماليين من الغاز المستخرج من المناطق الصومالية، تكشف أن الصراع على الموارد قد يتحول إلى جزء أساسي من معادلة توزيع السلطة والثروة.
وفي الدول الفيدرالية، غالبًا ما تكون مسألة ملكية الموارد وتوزيع عوائدها من أكثر القضايا القابلة لإنتاج التوتر بين المركز والأقاليم.
وبالتالي، فإن أي دستور جديد أو تعديلات دستورية لا تضع قواعد واضحة وشفافة لتوزيع الموارد قد تترك أحد أهم أسباب الصراع قائمًا حتى بعد انتهاء الحوار.
يتضمن المقترح المتعلق بالحقوق الدينية التأكيد على حرية العبادة والسماح بارتداء الحجاب والنقاب.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في مجتمع متعدد الأديان والهويات، إذ يمثل ضمان الحريات الدينية أحد عناصر بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
لكن التحدي يكمن في ضمان ألا تتحول القضايا الدينية إلى أدوات للتنافس السياسي أو القومي، وأن تكون الحريات مكفولة وفق إطار دستوري واضح يساوي بين المواطنين.
في مقابل المقترحات المتعلقة بتغيير النظام السياسي والدستوري، تبدو مسألة الإبقاء على العلم والنشيد الوطنيين كما هما ذات دلالة رمزية.
فعدم تغيير الرموز الوطنية يمكن قراءته باعتباره محاولة لتجنب فتح جبهة جديدة من الخلافات حول الهوية الوطنية.
وتحتاج إثيوبيا في المرحلة المقبلة إلى رموز قادرة على تجاوز الانقسامات القومية، بحيث تصبح الدولة مظلة جامعة لمختلف مكوناتها، بدلًا من أن تتحول الرموز الوطنية نفسها إلى موضوع للصراع.
بين إعادة بناء الدولة وإعادة إنتاج الأزمة