دراسة في الأسس المعرفية والوظيفة التفسيرية للعلة النحوية – أ.د. محمد بن عبدالعزيز  العميريني

لا يكاد الباحث يتوغل في تراثنا النحوي حتى يكتشف أنه لم يكن علماً وصفياً يقتصر على تسجيل الظواهر اللغوية وتقعيد المطّرد منها، وإنما كان -إلى جانب ذلك- مشروعاً تفسيرياً يسعى إلى الكشف عن علة جريان كلام العرب على هذا الوجه دون سواه، لذا احتلت العلة منزلة مركزية في التفكير النحوي، حتى غدا التعليل أحد أبرز الملامح التي شكّلت العقل النحوي العربي وميّزت بنيته الاستدلالية دون أن تذكر الحوادث والروايات أي مؤثرات خارجية شكّلت تلك العقلية الواعية.

وبسبب تميّز التفكير النحوي وعمق دلالاته لم يضع العلل النحوية في مرتبة واحدة من حيث طبيعتها ووظيفتها، فمنها ما يفسر الحكم بسبب لغوي قريب، ومنها ما يتجاوز ذلك إلى البحث عن الحكمة الكامنة وراء اختيار صورة لغوية بعينها: طلباً للخفة، أو دفعاً للالتباس، أو تحقيقاً للفرق بين المعاني، أو مراعاة لكثرة الاستعمال، أو بحثاً عن الائتلاف والتناسب، أو اقتصاداً في الجهد النطقي، أو ضبطاً للنظام اللغوي.

و- هنا - يظهر ما يمكن تسميته (التعليل بالحكمة)، وهو مستوى من النظر لا يكتفي بإثبات العلاقة بين الظاهرة وحكمها، وإنما يسعى إلى استكشاف الغاية النظامية أو التواصلية أو الاستعمالية التي تجعل الحكم النحوي أكثر معقولية واتساقاً.

الواقع أن التعليل بالحكمة يقع في منطقة دقيقة بين وصف اللغة كما استعملها العرب وتفسير الأسباب التي جعلت النظام العربي يستقر على بعض الصور دون بعض، وبذلك أضحى التعليل بالحكمة مدخلاً مهماً إلى فهم فلسفة النحو العربي، وليس – فقط - باباً من أبواب الصناعة النحوية.

ينبغي في البداية التمييز بين ثلاثة مستويات كثيراً ما تتداخل في الكتابة النحوية: الحكم، والعلة، والحكمة، فالحكم هو النتيجة التي يقررها النحوي للظاهرة، كرفع الفاعل ونصب المفعول، أما العلة فهي الوصف الذي يربط به النحوي الحكم بظاهرة أو خاصية معينة، فيقول مثلًا: امتنع الاسم من الصرف لاجتماع علتين، أو تحرك الحرف لالتقاء الساكنين، أما الحكمة فهي أعمق من مجرد تسمية السبب؛ لأنها تتصل ببيان وجه الملاءمة بين الحكم والنظام اللغوي.

هذا التفريق مهم، لأن بعض ما يسميه النحاة علة يكون في حقيقته وصفاً مباشراً للشرط اللغوي، في حين يكون بعضه الآخر أقرب إلى بيان الحكمة أو الغاية، ولهذا فإنه ينبغي أن ينصرف لفظ (الحكمة) – هنا - إلى المغزى الوظيفي أو النظامي الذي يفسر ملاءمة الحكم لبنية العربية.

وعند النظر في واقع نشأة النحو العربي وإرهاصات تلك الفترة نجد أنه نشأ في جو كانت فيه الرواية والسماع أصلين حاسمين في إثبات اللغة، غير أن إثبات أن العرب نطقت بصيغة ما، لا يعادل تفسير سبب اختيار تلك الصيغة، وتلك المسافة بين الإثبات والتفسير هي المسافة التي وُلد في رحابها التعليل.

ومن -هنا- انتقل العقل النحوي من جمع الجزئيات إلى بناء العلاقات بينها، وبهذا شكّل التعليل نتيجة طبيعية لتحول المعرفة اللغوية من معرفة بالنصوص والشواهد إلى معرفة بالنظام الذي تنتظم فيه تلك النصوص، لكن التعليل بالحكمة يمثل خطوة أخرى بعد ذلك، إذ لا يسأل فقط عن القاعدة الجامعة، وإنما عن معقولية هذه القاعدة داخل النظام.

فإذا كان القياس -مثلاً- يكشف عن انتظام الظواهر، فإن الحكمة تحاول تفسير جدوى ذلك الانتظام، ولم يظهر التفكير في حكم الأحكام النحوية دفعة واحدة في صورة نظرية مكتملة، وإنما نما داخل الممارسة النحوية نفسها.

ثم اتسعت صناعة التعليل في المراحل اللاحقة، خصوصاً عند نحاة القرن الرابع الهجري أمثال ابن جني الذي جعل البحث في علل العربية جزءاً من الكشف عن (حكمة العرب) في لغتهم، ويمكن الجزم بأن ابن جني مثّل مرحلة شديدة الأهمية في هذا الباب، لأن مشروعه في الخصائص تعامل مع العربية بوصفها نظاماً تكاملياً لا يمكن فصل أجزائه، فحين يربط ابن جني بين تغير المبنى وتغير الدلالة، أو بين القوة الصوتية وقوة المعنى، فهو لا يبحث عن سبب إعرابي محدود، وإنما يحاول استكشاف مبدأ يفسر العلاقة بين مستويات اللغة، وبناء على ذلك أمكن التمييز بين مستويين: حكمة (الحكم الجزئي)، كالحذف لكثرة الاستعمال، و(حكمة النظام)، أي المبادئ العامة التي تجعل العربية تميل إلى التخفيف، والتمييز، والتناسب، والاقتصاد، والمحافظة على الفروق الدلالية، وهذا المستوى هو الأعمق فلسفياً، لأنه ينقل التعليل من تفسير (المسألة) إلى محاولة فهم العقل ومنطق البناء.

وأدرك النحاة منذ القرن الأول الهجري أن اللغة لا تؤدي وظيفتها إذا أدى الاختصار أو التماثل الشكلي إلى اختلاط المعاني، ولذلك استعملوا مفاهيم الفرق والفصل ودفع الالتباس في تفسير عدد من الظواهر، وهذا يكشف عن أصل مهم في التفكير النحوي، وهو أن البنية ليست مستقلة تماماً عن الوظيفة التواصلية، فالعلامة الإعرابية – مثلًا - لا تُدرس بوصفها حركة صوتية مجردة، وإنما من حيث قدرتها على الإسهام في الكشف عن العلاقات التركيبية.

ولعل من أعمق ما في تراثنا النحوي إدراك أثر التواتر الاستعمالي في تشكيل البنية، فالنحاة كثيراً ما يعللون الحذف أو الاختصار أو الخروج عن الأصل بكثرة الاستعمال، ومعنى ذلك أن النظام النحوي في تصورهم لم يكن منفصلًا عن التداول.

وهذه الفكرة عميقة ومهمة، لأن كثرة الاستعمال تجعل بعض التراكيب أكثر رسوخاً في ذهن المتكلم والسامع، فيصبح من الممكن حذف شيء منها أو اختصاره من غير أن تتضرر عملية الفهم.

ولا ينبغي أن يُفهم من كلامي السابق أن كل حكم نحوي يجب أن تكون له حكمة قابلة للاكتشاف والتحقق، فقد تستقر اللغة على صورة بفعل تاريخها، ولا يستطيع الباحث أن يثبت لها غاية معينة، لكن واقع الدرس النحوي القديم أكد أنّ التعليل بالحكمة مثّل محاولة للانتقال من اعتباط المادة اللغوية إلى معقولية انتظامها، فاللغة لم تُبنَ وفق برهان منطقي سابق عليها، لكنها بعد أن أصبحت نظاماً يمكن أن تكشف عن مبادئ تجعل بعض أنساقها أكثر تفسيراً من بعض.

الخلاصة أن التعليل بالحكمة عند النحاة كشف عن جانب بالغ العمق من العقل اللغوي العربي، إذ لم يقف النحويون عند حدود تسجيل كلام العرب واستخراج قواعده، وإنما سعوا إلى استكشاف منطقية النظام اللغوي: لماذا يحذف هنا؟ ولماذا يذكر هناك؟ ولماذا يُعدل عن الأصل؟ ولماذا يُحتمل الثقل في موضع ويُطلب التخفيف في آخر؟

والقيمة الحقيقية لهذا المسلك تكمن في إدراك أن النحاة أسسوا تقليداً تفسيرياً جعل اللغة موضوعاً للسؤال العقلي، ثم مارسوا هذا السؤال بدرجات متفاوتة من القوة والدقة والإحكام.

لا يكاد الباحث يتوغل في تراثنا النحوي حتى يكتشف أنه لم يكن علماً وصفياً يقتصر على تسجيل الظواهر اللغوية وتقعيد المطّرد منها، وإنما كان -إلى جانب ذلك- مشروعاً تفسيرياً يسعى إلى الكشف عن علة جريان كلام العرب على هذا الوجه دون سواه، لذا احتلت العلة منزلة مركزية في التفكير النحوي، حتى غدا التعليل أحد أبرز الملامح التي شكّلت العقل النحوي العربي وميّزت بنيته الاستدلالية دون أن تذكر الحوادث والروايات أي مؤثرات خارجية شكّلت تلك العقلية الواعية.