مرض الكبد الدهني حالة شائعة، لكن مساره يختلف من شخص لآخر؛ فبينما تظل حالة بعض المرضى مستقرة لسنوات، تتطور لدى آخرين مشكلات كبدية خطيرة. وتشير دراسة جديدة أُجريت في اليابان إلى أن مستويات الجسم المضاد المعروف باسم "الجلوبيولين المناعي أ" (IgA) في الدم قد تساعد الأطباء في تحديد المرضى الأكثر عرضة للمخاطر.
ترتبط هذه الحالة -التي يُطلق عليها الآن اسم "مرض الكبد الدهني المرتبط بخلل التمثيل الغذائي" (MASLD)- ارتباطاً وثيقاً بالسمنة ومرض السكري ومشكلات التمثيل الغذائي الأخرى. وعادةً ما يقيّم الأطباء مستوى الخطر لدى المريض من خلال الكشف عن التليف، أو تندب أنسجة الكبد؛ إذ يُعد التليف المتقدم علامة تحذيرية معروفة. ومع ذلك، قد يتعرض بعض المرضى -ممن لا يعانون من تندب متقدم- لمضاعفات كبدية خطيرة؛ وهذا التباين هو ما دفع الباحثين للبحث عن مؤشرات أخرى.
أشرف على هذه الدراسة المحاضر تاكيفومي كيمورا، بالتعاون مع طالب الدكتوراه شون-إيتشي واكاباياشي وناوكي تاناكا، من قسم أمراض الجهاز الهضمي في كلية الطب بجامعة شينشو في ناغانو باليابان، وقد نُشرت الدراسة عبر الإنترنت في "مجلة أمراض الكبد" (Journal of Hepatology).درس الفريق بيانات سريرية ومخبرية لـ 349 مريضًا تم تشخيص إصابتهم بمرض الكبد الدهني غير الكحولي (MASLD) عن طريق خزعة الكبد.
وباستخدام طريقة تصنيف المرضى وفقًا لخصائص مشتركة، وجدوا أربع مجموعات فرعية منفصلة. لفتت انتباههم مجموعة واحدة، تُسمى المجموعة الثانية. كان لدى هؤلاء المرضى مستويات أعلى من الغلوبولين المناعي A (IgA) في الدم، وهو جسم مضاد يساعد الجسم على مكافحة العدوى. كما كان هؤلاء المرضى يميلون إلى أن يكونوا أكبر سنًا، ولديهم عدد أقل من الصفائح الدموية، وكانوا أكثر عرضة للإصابة بداء السكري. وسجلت هذه المجموعة أعلى معدل للتليف المتقدم.
خلال فترة متابعة متوسطة بلغت 6.8 سنوات، تم تسجيل 20 حالة متعلقة بالكبد. في المجموعة الثانية، عانى ما يقرب من ربع المرضى (24.0%) من هذه الحالات خلال خمس سنوات. وقد تنبأ مستوى الغلوبولين المناعي A في الدم البالغ 318 ملغم/ديسيلتر أو أعلى بهذه الحالات بمفرده، حتى بعد الأخذ في الاعتبار التليف المتقدم.
كانت المخاطر في أعلى مستوياتها عند ظهور كلتا العلامتين التحذيريتين معاً؛ إذ بلغت احتمالية حدوث مضاعفات مرتبطة بالكبد لدى المرضى الذين يعانون من ارتفاع مستويات الغلوبولين المناعي A (IgA) وتليف كبدي متقدم 48% على مدار 10 سنوات، في حين كانت هذه النسبة أقل من 5% لدى بقية المرضى.
وتأكدت صحة هذه النتائج في مجموعات أخرى من المرضى أيضاً؛ فمن بين 287 مريضاً لم يخضعوا لخزعة الكبد، أظهرت الفحوصات أن أولئك الذين عانوا من مشاكل في الكبد كانت لديهم مستويات أعلى بوضوح من IgA. كما أظهرت مجموعة منفصلة ضمت 272 مريضاً من مراكز طبية متعددة وجود نفس النمط الفرعي المرتبط بارتفاع IgA ونفس العلاقة بالمضاعفات الكبدية.
وقال كيمورا: "تُظهر هذه النتائج أن مرض الكبد الدهني المرتبط بخلل التمثيل الغذائي (MASLD) ليس مرضاً واحداً موحداً، وأن ارتفاع مستويات IgA قد يساعد في تحديد مجموعة فرعية من المرضى ذات نمط متميز لتطور المرض. إذ يوفر النمط الظاهري المرتبط بارتفاع IgA وسيلة أخرى لفهم المخاطر تتجاوز مجرد النظر إلى التليف وحده".
بعد ذلك، بحث العلماء في الأسباب التي قد تجعل IgA مرتبطاً بنتائج صحية أسوأ. فلدى المرضى الذين يعانون من تليف كبدي متقدم، وجد الباحثون عدداً أكبر من الخلايا الإيجابية لـ IgA في البطانة والطبقات العميقة للأمعاء. كما ارتبطت مستويات IgA في الدم بمؤشر "EndoCAb IgG"، وهو مؤشر يشير إلى ضعف الحاجز المعوي. وفي الكبد، أظهر المرضى المصابون بتليف متقدم نشاطاً أعلى لجين "IGHA1" -وهو جين مرتبط بـ IgA- إلى جانب وجود عدد أكبر من الخلايا الإيجابية لـ IgA في المناطق البابية للكبد.
وكان هذا الجين نشطاً بشكل أساسي في الخلايا المنحدرة من سلالة الخلايا البائية (B-lineage cells)، بما في ذلك الخلايا البلازمية المنتجة للأجسام المضادة. وارتبطت الجينات التي تعمل بالتزامن معه بعمليات الإشارات الخلوية في الخلايا البائية وبالتغيرات النسيجية المصاحبة للتندب، مما يشير إلى وجود صلة بين النشاط المناعي وتلف الكبد.
وأضاف كيمورا: "من خلال فحص كل من الأمعاء والكبد، وجدنا أدلة على نشاط مناعي منسق مرتبط بـ IgA على طول محور الأمعاء والكبد. وهذا يوفر أساساً لمزيد من البحث في الخصائص البيولوجية لهذه المجموعة الفرعية عالية المخاطر".
وتشير الدراسة إلى أن الجمع بين المؤشرات المناعية -مثل IgA- وفحوصات التليف قد يساعد الأطباء يوماً ما في تصنيف مرضى MASLD بدقة أكبر. ومع ذلك، يؤكد الباحثون على الحاجة إلى دراسات أوسع نطاقاً تتابع حالة المرضى بمرور الوقت.