في دراسة بحثية حديثة أعدها باحث الدكتوراه بقسم الاجتماع والخدمة الاجتماعية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: خالد محمد الدوس بعنوان" إسهام الأسرة السعودية في تعزيز ثقافة المحافظة على البيئة"، دراسة ميدانية مطبقة على عينة من الأسر بمدينة الرياض. سعت الدراسة إلى التعرف على طبيعة الممارسات البيئية اليومية لدى الأسُر السعودية، ورصد أهم الأدوار الأسرية في تعزيز القيم والسلوكيات والوعي البيئي، إضافة إلى الكشف عن التحديات التي تواجه الأسرة في المحافظة على البيئة، ودراسة العلاقة بين المتغيرات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ودور الأسرة البيئي، وصولاً إلى صياغة مقترحات عملية لتفعيل هذا الدور. اتبعت الدراسة منهج المسح الاجتماعي بالعينة، لملاءمته لطبيعة الموضوع وقدرته على توفير بيانات كمية منظمة تعكس الواقع الفعلي للسلوك البيئي الأسري. تم اختيار مدينة الرياض كميدان للتطبيق نظراً لتنوعها الديموغرافي والحضري، واعتمدت الدراسة على عينة غرضية بلغ حجمها 478 أسرة سعودية. أظهرت النتائج أن مستوى الممارسات البيئية اليومية لدى الأسُر السعودية جاء في العموم مرتفعاً؛ حيث برز الالتزام بترشيد استهلاك المياه والكهرباء، والتخلص الآمن من النفايات، والحفاظ على النظافة داخل المنزل وخارجه. غير أن بعض الممارسات، مثل تقليل استخدام البلاستيك، والزراعة المنزلية، وتنظيف خزانات المياه بانتظام، جاءت بمستوى متوسط، ممـّا يشير إلى وجود فجوة بين الممارسات التلقائية المدفوعة بالعادات، وتلك التي تتطلب وعياً بيئياً أعمق. كما كشفت النتائج أن الأسرة تؤدي دور واضح في تعزيز القيم والسلوكيات البيئية، خصوصاً القيم المرتبطة بالنظافة، وشكر النعمة، وترشيد الاستهلاك، بينما جاء مستوى الوعي البيئي المعرفي متوسطاً نسبياً؛ إذ يتركز اهتمام الأسرة غالباَ على السلوكيات المباشرة، دون توسّع في المفاهيم البيئية الحديثة مثل الاستدامة وإدارة النفايات وإعادة التدوير. أما التحديات التي تواجه الأسرة، فجاءت في مقدمتها الطبيعة المناخية الصحراوية التي تفرض استهلاك مرتفع للمياه والطاقة، إضافة إلى محدودية الإمكانيات الداعمة لتوسيع الغطاء النباتي ،أو المشاركة البيئية العملية، مع وجود قصور نسبي في بعض الخدمات والمرافق البيئية في الأحياء. ومع ذلك، فإن معظم هذه التحديات تُعّد في حدود المتوسطة ،وقابلة للمعالجة من خلال الدعم المؤسسي والتوعوي. وأظهرت التحليلات الإحصائية أن متغير المستوى التعليمي كان الأكثر تأثيراً في السلوك والوعي البيئي؛ إذ ارتفعت مستويات الممارسة والوعي والقدرة على تشخيص التحديات والمقترحات لدى الفئات الأعلى تعليماً. بينما لم تُسجّل فروق ذات دلالة بين الذكور والإناث في مختلف محاور الدراسة، ممـّا يعكس تماثلاً في إدراك القضايا البيئية داخل الأسرة السعودية. خلصت الدراسة إلى أن الأسرة السعودية تمتلك قاعدة قوية من القيم الدينية والاجتماعية الداعمة للسلوك البيئي الإيجابي، لكنها لا تزال بحاجة إلى تنمية الجانب المعرفي والتطبيقي، وتعزيز ارتباط الأبناء بالممارسات البيئية الحديثة، من خلال تكامل الأدوار بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية والبلدية. كما أكدت النتائج أهمية القدوة الوالدية، والاستمرارية في التوجيه، وربط السلوك البيئي بقيم الشكر والمسؤولية، وتوفير بيئة اجتماعية وخدمية تساعد الأسرة على أداء دورها بفاعلية. وقدّمت الدراسة عدد من التوصيات من أهمها: إطلاق حملات توعية موجهة للأسرة السعودية تركز على ممارسات بيئية بسيطة ،وعملية يمكن تطبيقها بسهولة في المنازل، مثل ترشيد المياه، استخدام الإضاءة الموفرة للطاقة، والتقليل من استخدام البلاستيك، وتفعيل دور الأسرة في غرس القيم والسلوكيات البيئية، و ذلك من خلال: تضمين التربية البيئية كجزء من التربية الأسرية والدينية، من خلال ربطها بالقيم الإسلامية مثل شكر النعم وعدم الإسراف والحفاظ على النظافة، بما يُسهم في بناء وعي أخلاقي بيئي لدى الأبناء، و تشجيع الحوار البيئي داخل الأسرة من خلال تخصيص أوقات دورية للنقاش حول القضايا البيئية المحلية (مثل ندرة المياه, أو تلوث الهواء)، ممـّا يعّزز الوعي الجمعي داخل المنزل، ويؤّصل بالتالي مفهومه الحضاري.