.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
قبل خمسة وعشرين عاماً، كان جزء مهمّ من الإعلام العربي العابر للحدود يُدار من خارج المنطقة. لندن كانت مقرّاً لعدد من أبرز المؤسسات الإعلامية العربية، فيما احتفظت القاهرة وبيروت بثقلهما التاريخي، وكانت دبي لا تزال تبني موقعها على خريطة إعلامية بدت، في ذلك الوقت، شبه مستقرّة.
لكن مطلع الألفية حمل رهاناً مختلفاً: ماذا لو أمكن بناء مركز إعلامي عربي جديد، لا يقوم على مؤسسة أو قناة واحدة، بل على بيئة تجمع المؤسسات والصحافيين وشركات الإنتاج والإعلان والتكنولوجيا في مكان واحد؟
وبالتوازي تقريباً، كانت دبي تبني بنية أخرى للإعلام العربي، لا تتعلق بالمقارّ والاستوديوهات فقط. تأسّس نادي دبي للصحافة عام 1999، وانطلقت جائزة الصحافة العربية التي ستصبح لاحقاً "جائزة الإعلام العربي"، ثمّ جاء منتدى الإعلام العربي عام 2001.
كان المشروع، بهذا المعنى، يسير على خطين متوازيين: مكان يعمل منه الإعلام، ومنصّة يلتقي عليها الإعلام العربي ويناقش مستقبله ويكرّم تميّزه.
بعد ربع قرن، يمكن العودة إلى تلك اللحظة وطرح السؤال الأهم: ماذا فعلت دبي فعلياً بخريطة الإعلام العربي؟
في مطلع الألفية، لم تكن الجغرافيا وحدها هي التي تتغيّر. صناعة الإعلام نفسها كانت تدخل مرحلة انتقالية كبرى.
الفضائيات كسرت الحدود الوطنية للبث، والأقمار الاصطناعية صنعت جمهوراً عربياً يتابع الشاشة نفسها من المغرب إلى الخليج، فيما كان الإنترنت يدخل تدريجاً إلى غرف الأخبار ويعيد صياغة علاقة الجمهور بالخبر.
وسط هذا التحوّل، تأسّست مدينة دبي للإعلام لتوفر بيئة متخصّصة للمؤسسات الإعلامية، ضمن نموذج المنطقة الحرّة الذي أتاح الملكية الأجنبية الكاملة للشركات، ووفّر بنية تحتية وخدمات تجارية وتقنية مصمّمة للصناعة.
لكن الامتحان الحقيقي لم يكن في بناء المكاتب والاستوديوهات.
بعد أكثر من عقد على انطلاقها من لندن عام 1991، نقلت مجموعة MBC مقرّها إلى دبي. ولم يكن القرار مجرد انتقال شركة من مدينة إلى أخرى. فـMBC كانت أحد رموز مرحلة «الإعلام العربي المهاجر»، الذي اتخذ من العاصمة البريطانية قاعدة له للوصول إلى جمهور المنطقة.
وفي عام 2003، انطلقت قناة "العربية" من دبي، ومع السنوات جذبت المدينة مؤسّسات إقليمية وعالمية من قطاعات الإعلام والإعلان والإنتاج. واستقرّت فيها أسماء مثل CNN ورويترز وDiscovery Networks، إلى جانب مجموعات إعلانية عالمية بينها WPP وPublicis Groupe.
عندها بدأت فكرة "المدينة الإعلامية" تتجاوز العقارات والمكاتب.
المؤسسة التي تأتي إلى دبي تجد حولها منظومة كاملة: شركات إنتاج وإعلان، خدمات تقنية، مواهب من أسواق عربية مختلفة، ومؤسسات أخرى تعمل في الصناعة نفسها.
وبدأت بذلك حركة معاكسة لمسار عرفه الإعلام العربي طويلاً: أصبح ممكناً لمؤسسة تخاطب الجمهور العربي عبر المنطقة أن تدير جزءاً أساسياً من عملياتها من مدينة عربية.
خلال سنوات، أصبحت دبي نقطة التقاء للصحافي اللبناني والمنتج المصري والمذيع السوري والمخرج الأردني وخبير الإعلان الخليجي والمتخصّص التقني القادم من سوق أخرى.
وهنا ربما يقع أحد التحولات الأقل ظهوراً في قصّة دبي: نشوء سوق عمل إعلامية عربية عابرة للحدود داخل المنطقة نفسها.
إلى جانب مدينة دبي للإعلام، تطوّر ما يعرف اليوم بـ"المجمع الإعلامي" التابع لمجموعة TECOM، الذي يضم أيضاً مدينة دبي للإنتاج ومدينة دبي للاستوديوهات.
وتشير أحدث بيانات المجموعة إلى أن هذا المجمع يضم أكثر من 4 آلاف شركة، وأكثر من 40 ألف مهني ومبدع يعملون في قطاعات الإعلام والإنتاج والمحتوى والصناعات المرتبطة بها.
وبات المجمع مقرّاً لأكثر من 60 في المئة من شركات Fortune 500 العاملة في قطاع الإعلام، وفق بيانات مدينة دبي للإعلام.
الأرقام تكشف أن ما بدأ كمشروع لاستقطاب المؤسسات أصبح، بعد ربع قرن، منظومة اقتصادية ومهنية متكاملة.
لكن المدينة التي بدأت رحلتها مع القناة والصحيفة ووكالة الإعلان لم تعد تتعامل اليوم مع الصناعة نفسها.
بين مطلع الألفية و2026، تغيّر تعريف "الإعلام".
دخلت المنصّة الرقمية، والبث عند الطلب، والبودكاست، والألعاب، وصانع المحتوى المستقلّ، وشركات التكنولوجيا وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي إلى قلب المشهد.
ولم يعد إنتاج المادة الإعلامية ينتهي عند لحظة الطباعة أو البث. أصبح المحتوى يتحرك عبر سلسلة تبدأ بالفكرة، وتمر بالإنتاج والتكنولوجيا والتوزيع والإعلان والمنصّات، وتنتهي لدى جمهور يستهلك المادة في أيّ وقت ومن أيّ شاشة.
لهذا اتسع رهان دبي من "قطاع الإعلام" إلى مفهوم أكبر هو الاقتصاد الإبداعي.
وفي عام 2021، أطلقت الإمارة استراتيجية دبي للاقتصاد الإبداعي، في محاولة لترسيخ موقع المدينة مركزاً عالمياً للصناعات الثقافية والإبداعية واستقطاب الشركات والمواهب والاستثمارات المرتبطة بها.
والأرقام الأخيرة تعطي فكرة عن حجم هذا التحوّل.
ففي عام 2024، حافظت دبي للعام الثالث على التوالي على المرتبة الأولى عالمياً في استقطاب مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر الجديدة في الصناعات الثقافية والإبداعية، وفق بيانات "FDI Markets" التابعة لمجموعة «فايننشال تايمز».
واستقطبت الإمارة خلال ذلك العام 971 مشروعاً في هذه الصناعات، بزيادة بلغت 8 في المئة عن عام 2023.
أما تدفقات رؤوس الأموال المرتبطة بهذه المشاريع فبلغت نحو 18.86 مليار درهم، بارتفاع يقارب 60 في المئة، وأسهمت المشاريع في توفير 23,517 فرصة عمل جديدة.
واللافت أن القطاعات التي دفعت هذا النموّ لم تعد محصورة بالإعلام التقليدي، بل شملت الإعلان والعلاقات العامة، وصناعة الأفلام والإعلام والألعاب، وتصميم البرمجيات، والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والحلول السحابية.
هنا تظهر المسافة الفعلية بين 2001 و2026.
قبل ربع قرن كان السؤال: كم قناة وصحيفة ووكالة إعلان تستطيع المدينة استقطابها؟
اليوم أصبح السؤال: كم منصة وشركة تكنولوجيا واستوديو إنتاج ومطوّر ألعاب وصانع محتوى وموهبة إبداعية يستطيعون أن يجعلوا من المدينة قاعدة لعملهم؟
المدينة التي أصبح الإعلام العربي يلتقي فيها
لكن أثر دبي في المشهد الإعلامي لا يمكن قياسه بعدد الشركات والاستثمارات وحدها.
في عام 1999 تأسس نادي دبي للصحافة، ثم انطلق منتدى الإعلام العربي عام 2001، ليتحوّل مع السنوات إلى أحد أبرز المواعيد التي تجمع الإعلاميين ورؤساء التحرير والكتّاب وصنّاع القرار والعاملين في القطاع من أنحاء المنطقة.
فهي ليست فقط مقرّاً تعمل منه مؤسّسات إعلامية، بل مكانٌ يجتمع فيه العاملون في الصناعة لمناقشة ما يحدث لها: من مستقبل الصحافة ونماذج الأعمال إلى صعود المنصّات الاجتماعية واقتصاد المحتوى والذكاء الاصطناعي.
ولعلّ جائزة الإعلام العربي تختصر هذا التحوّل بوضوح.