يتجه الترميز العقاري في دبي، إلى التحول من تجربة رقمية ناشئة إلى سوق بقيمة مستهدفة تبلغ 60 مليار درهم بحلول 2033، بما يعادل نحو 7% من إجمالي التداولات العقارية في الإمارة، وفق تقديرات رسمية. وتسعى دبي؛ إلى تحويل جزء من سوقها العقارية إلى أصول رقمية قابلة للتجزئة والتداول، بما يوسع قاعدة المستثمرين ويعزز السيولة ويخلق جسراً جديداً بين القطاع العقاري والمنظومة المالية والتكنولوجية.ويأتي ذلك في سوق أظهر خلال السنوات الماضية قدرة على استقطاب رؤوس الأموال الدولية، فيما يضيف الترميز؛ طبقة جديدة من التنويع عبر إتاحة الملكية الجزئية لمستثمرين لم تكن قيمة الأصول العقارية المرتفعة تسمح لهم بدخول السوق. ولا تقتصر أهمية هذا النموذج على خفض كلفة الاستثمار؛ بل تمتد إلى تطوير خدمات في التكنولوجيا المالية والحفظ والتسوية والامتثال، بما يدعم انتقال اقتصاد دبي تدريجياً نحو مزيج أكثر تنوعاً من العقار والتمويل والاقتصاد الرقمي.ويرى خبراء، أن توسع ترميز العقارات يعزز تنويع اقتصاد دبي، عبر توسيع قاعدة المستثمرين واستقطاب رؤوس أموال جديدة إلى السوق العقارية وربطها بالقطاع المالي والتكنولوجي، ناهيك عن السلع المتعددة، على غرار الذهب والفضة.أدوات مالية**media[8152925]**قال د. محمد نيكار، مدير المشاريع في قطاع الخدمات المالية لدى «آرثر دي ليتل» في الشرق الأوسط: تتسع رقعة «الترميز في التداولات الرقمية» عبر مختلف القطاعات لسبب محوري واحد: قدرتها على تحويل الأصول التي كان تقسيمها مكلفاً، ونقلها بطيئاً، والخروج منها معقداً، إلى أدوات مالية تُتداول بسهولة الأسهم. وتتشارك العقارات والذهب والفضة والصناديق الخاصة في مشكلة هيكلية واحدة تتمثل في ارتفاع الحد الأدنى للاستثمار ونقص السيولة، وهو ما يعالجه التقسيم الرقمي القائم على تقنية «البلوكشين» في ضربة واحدة. أما المتغير الجديد في عام 2026، فليس التكنولوجيا بحد ذاتها؛ بل وضع المشرعين إطاراً قانونياً ورسمياً لها.وتابع نيكار: تعد دبي، أول جهة تنظيمية تربط الرموز العقارية مباشرة بالسجل العقاري الحكومي. وقد انتقل برنامج دائرة الأراضي والأملاك في دبي الذي أُطلق عبر منصة «بريبكو مينت» (PRYPCO Mint)، من المرحلة التجريبية إلى سوق ثانوية نشطة في 20 فبراير/شباط 2025. وعلى المنوال نفسه، قدم مركز دبي للسلع المتعددة (DMCC) الخطوة ذاتها بالنسبة للسلع: ذهب مدعوم بضمانات منصة «ترايد فلو»، وإطلاق أول أصل فضة مرمّز سبتمبر/أيلول 2026 بوزن 1971 كغم، تحت إطار العمل المشترك بين المركز وسلطة «فارا».وأوضح نيكار: على الصعيد العالمي، بلغت الأصول الملموسة المرمّزة نحو 33 مليار دولار في يوليو/تموز 2026، غير أن سندات الخزينة الأمريكية المرمّزة تستحوذ على نصيب الأسد من هذه السوق. وتكمن الريادة الإماراتية في الترميز المنظّم للأصول المادية - أي العقارات والمعادن - حيث تفتقر معظم الدول الأخرى إلى نموذج عملي مدعوم حكومياً.وتسهم الرمزية في توسيع قاعدة المستثمرين دون المساس بجودة الأصول. فشقة في دبي باتت متاحة بحد أدنى للاستثمار يبلغ 2000 درهم، وينخفض إلى 1000 درهم في السوق الثانوية، أصبحت في متناول الموظف صاحب الدخل الشهري الذي لم يكن بمقدوره تدبير دفعة مقدمة بنسبة 20%. ثقافة استثمارية وقال نيكار: لم ينشأ جيل الشباب وجيل الألفية على الثقة بالفروع المصرفية التقليدية؛ بل نشؤوا على الثقة بالتطبيقات الرقمية. وتتوافق الملكية المجزأة، والتسوية الفورية، والشفافية التامة للأصول المملوكة مع أسلوب حياتهم الشرائي. والأهم من ذلك أن هذا الجيل سيرث سوقاً تصبح فيه الملكية الرقمية المجزأة هي الأصل وليست الاستثناء. هذا التحول السلوكي يغير المعادلة من «الادخار لسنوات لشراء أصل واحد كبير» إلى «بناء محفظة متنوّعة من حصص صغيرة منذ الشهر الأول».وأشار نيكار، إلى أن قيمة الأسهم المرمّزة، تجاوزت حاجز المليار دولار على الشبكات الرقمية في أوائل عام 2026. والاتجاه بات واضحاً؛ ستضم المحافظ الاستثمارية سندات خزينة وأسهماً وذهباً وعقارات مرمّزة جنباً إلى جنب، مع تسوية المعاملات بالدرهم أو بالعملات المستقرة المنظّمة على مدار الساعة. وسيعقب ذلك سوق الصرف الأجنبي (الفوركس)، عبر الودائع المرمّزة والعملات المستقرة بدلاً من أزواج العملات المرمّزة.وتدفع التقلبات العالمية والتوترات الإقليمية؛ رؤوس الأموال نحو الأصول الصلبة: الذهب، العقارات الفاخرة، والولايات القضائية ذات القواعد المستقرة. وتجعل الرمزية تلك الأصول الصلبة تتمتع بالسيولة، بينما وفرت لها دولة الإمارات الغطاء التنظيمي. هذا المزيج يدعم استمرارية الدولة في جذب رؤوس الأموال بغض النظر عن دورات الاقتصاد الكلي. والمطلوب من المستثمرين اليوم؛ هو التعامل مع الأصول المرمّزة كخيار توزيع استثماري استراتيجي، وليس مجرد ظاهرة عابرة.تعافي اقتصادي**media[8152926]**وقالت رزان هلال، محللة الأسواق لدى «فوركس»: تأتي انتشار تقنية «ترميز الأصول» في توقيت مهم، بالتزامن مع تعافي المنطقة وإظهار اقتصاداتها قدرة واضحة على الصمود أمام الاضطرابات الجيوسياسية. فعلى الرغم من التصحيحات التي شهدتها الأسواق، حافظ مؤشر MSCI الإمارات على اتجاهه الصاعد الممتد منذ عام 2023، كما لم تشهد أسعار العقارات تراجعاً حاداً أو اضطراباً شبيهاً بما حدث خلال أزمة 2020، وهو ما يعكس وجود قاعدة قوية تدعم السوق.وتابعت: يمكن أن يؤدي إدخال الأصول المرمّزة وتوسيع نطاقها إلى تعزيز تدفقات الاستثمار خلال مرحلة التعافي، من خلال خفض حواجز الدخول وتوفير أدوات أكثر مرونة لتنويع المحافظ. وينسجم هذا التطور مع الأجندات الاقتصادية والتكنولوجية لدولة الإمارات حتى عام 2030، والتي تركز على الابتكار، والتحول الرقمي، وجذب الاستثمارات، وبناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على مواجهة المتغيرات العالمية.وأوضحت: تتمتع الإمارات، ودبي تحديداً، بمكانة متقدمة إقليمياً وعالمياً بفضل الجمع بين سوق عقاري نشط، ومركز عالمي للسلع والمعادن، وبنية رقمية متطورة، وأطر تنظيمية داعمة للأصول الافتراضية. يسهم ذلك في جذب شركات التكنولوجيا المالية والاستثمارات الدولية، وخلق خدمات جديدة في الحفظ الرقمي والامتثال والتسوية، بما يدعم تنويع الاقتصاد ويعزز مكانة دبي كحلقة وصل بين التمويل التقليدي والاقتصاد الرقمي.وأشارت إلى أن سوق العقارات، أظهر قدرة واضحة على الصمود مقارنة بالأزمات السابقة، بدعم النمو السكاني، وتدفقات الاستثمار الأجنبي، وجاذبية الإمارات كمركز عالمي للأعمال والإقامة والسياحة. ومن شأن ترميز العقارات والسلع أن يوسع قاعدة المستثمرين ويمنحهم قدرة أكبر على الوصول إلى هذه الأصول بملكية جزئية وتكلفة أقل.معالجة لمشكلة معقدة**media[8152927]**وقال رامي طبارة، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي المشارك لـمنصة «ستيك»: تعالج عملية ترميز الأصول مشكلة تكاد تشمل معظم فئات الأصول: إجراءات التملك البطيئة والمكلفة.وينطبق ذلك على العقارات كما ينطبق على أسواق أخرى. وقد بلغت التقنية التي يقوم عليها الترميز مرحلة مفصلية، حيث بدأت الجهات التنظيمية في وضع قواعد واضحة بعد أن كانت تتعامل معها بوصفها نشاطاً هامشياً. ومع نضج التقنية واتضاح القواعد المنظمة لها، يتسارع تبنّيها في مختلف القطاعات.وتابع: يمتد أثر هذا التحول إلى النظام المالي بأكمله، ولا يقتصر على قطاع بعينه. فالترميز يسهّل تسجيل حقوق الملكية ونقلها، ويختصر الوقت اللازم لذلك، ويتيح مشاركة أوسع وسيولة أكبر وتكاليف أقل؛ وهي مزايا مهمة في مختلف القطاعات.وأوضح طبارة: تأتي دبي في طليعة هذا المجال عالمياً، ويكتسب هذا الإنجاز أهمية أكبر في ظل التحديات التي تشهدها المنطقة.ففي معظم الأسواق، تطوّر شركات القطاع الخاص منتجات لترميز الأصول قبل أن تنظمها الجهات المعنية. أما دبي، فقد اتخذت خطوات استباقية، حيث أطلقت أول مشروع في الشرق الأوسط لترميز العقارات بالاستناد إلى سندات الملكية، ووضعت سلطة تنظيم الأصول الافتراضية إطاراً تنظيمياً واضحاً، ويتميّز نهج دبي بتقدّم العمل التنظيمي بالتزامن مع تطوير حلول القطاع الخاص، في إطار من التنسيق بين الجانبين.قطاع موثوقوأضاف طبارة: يتمثل أثر ذلك في الاقتصاد المحلي، من خلال توسيع قاعدة المشاركين في الاستثمار. و تعد العقارات من أكثر السبل موثوقية لبناء الثروة، لكن ارتفاع كلفة الدخول إلى السوق يحرم كثيرين من هذه الفرصة، محلياً وإقليمياً وعالمياً.ويخفض الترميز هذه الكلفة، كما يفتح سوق دبي أمام مستثمرين لم يكن بمقدورهم المشاركة فيها من قبل. وهذا يعني تدفق رأس المال إلى قطاع العقارات في دولة الإمارات من قاعدة أوسع من المستثمرين، بما يدعم السيولة وحجم التداول ومتانة السوق على المدى الطويل.وتابع طبارة: كلما ازدادت الثقافة المالية لدى الأجيال الشابة، تعمّق اهتمامها بالاستثمار وبدأت التفكير فيه في سن أبكر. حيث يزيل الترميز عائق ارتفاع كلفة الدخول إلى السوق؛ فالشباب اليوم يمكنهم الاستثمار في العقارات ابتداء من 2000 درهم عبر هواتفهم، مع تسجيل ملكيتهم رقمياً وإمكانية التحقق منها فوراً. وهذه تجربة تنسجم مع الطريقة التي اعتادتها هذه الأجيال في التعامل مع المنتجات والخدمات.وثمة تحول آخر أقل وضوحاً. فبعد سنوات من التعامل مع استثمارات لا يرونها إلا على الشاشة، مثل الأسهم والعملات المشفّرة، بات المستثمرون الشباب أكثر ميلاً إلى الأصول الملموسة وامتلاك شيء مادي حقيقي، مثل مبنى يستطيعون رؤيته وزيارته.وتكمن الميزة التي يوفرها الترميز لهذا الجيل، في أنه يجمع بين إمكانية امتلاك حصة في عقار حقيقي، والتجربة الرقمية التي اعتادها. وأعتقد أن هذه الميزة ستؤثر في نظرة الجيل زد وجيل ألفا إلى بناء الثروة على المدى الطويل.وأشار طبارة، إلى أن أبرز القطاعات المرشحة للاستفادة من الترميز هي تلك التي ترتفع فيها قيمة الأصول، وتتعقّد فيها إجراءات إثبات الملكية، وتعلو فيها عوائق الاستثمار.وتكمن الفرصة الأهم في إتاحة استثمارات كانت مقتصرة على المؤسسات الكبرى نظراً إلى ارتفاع كلفة دخولها. ومنها مشاريع البنية التحتية والطاقة، والأراضي الزراعية، وحتى الأعمال الفنية النفيسة. وتتسم ترتيبات الملكية في جميع هذه الفئات بالتعقيد، لذا، يمكن أن يعود توسيع المشاركة فيها بالفائدة على المستثمرين والسوق معاً.