تفرض موجات الحر المتزايدة في مدن العالم ضغوطاً متنامية على أنظمة الطاقة والبنية التحتية، وتدفع المدن إلى إعادة التفكير في كيفية تخطيطها وتلبية احتياجاتها المتنامية من التبريد بكفاءة واستدامة. وتبرز أوروبا بوصفها إحدى المناطق التي تعكس بوضوح تسارع هذه التحولات المناخية، ففي صيف 2026، شهدت أجزاء واسعة من غرب وجنوب أوروبا موجات حر شديدة، تجاوزت خلالها درجات الحرارة 40 درجة مئوية في عدد من المناطق. ففي يونيو، بلغت درجات الحرارة 43.8 درجة مئوية في فرنسا وأكثر من 42 درجة مئوية في بعض مناطق إسبانيا، وغيرها من الدول في مؤشر واضح على شدة الظروف الحرارية التي تواجهها المدن الأوروبية.ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه معدلات انتشار أجهزة تكييف الهواء في أوروبا منخفضة نسبياً، إذ تشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن نحو 20% فقط من الأسر الأوروبية تمتلك أجهزة تكييف. ومع تزايد فترات الحر وارتفاع درجات الحرارة، تبرز الحاجة إلى حلول أكثر كفاءة وقدرة على تلبية الطلب المتنامي على التبريد، من دون زيادة الضغوط على شبكات الكهرباء أو استنزاف الموارد.وتمتلك مدن الخليج تجربة مختلفة، فقد فرضت درجات الحرارة المرتفعة عليها منذ وقت مبكر تطوير بنية تحتية قادرة على إدارة احتياجات التبريد على نطاق واسع.من تبريد المبنى إلى تبريد المدينةيقدم تبريد المناطق نموذجاً يقوم على إنتاج المياه المبردة في محطات مركزية عالية الكفاءة، ونقلها عبر شبكات من الأنابيب المعزولة لتلبية احتياجات مجموعة من المباني والمنشآت. ويتيح تجميع الطلب على التبريد ضمن نظام واحد استخدام معدات أكبر وأكثر كفاءة، وتحسين إدارة الأحمال، وتقليص استهلاك الكهرباء اللازم للتبريد مقارنة بتشغيل أنظمة مستقلة لكل مبنى.وتوفر أنظمة تبريد المناطق وفورات في استهلاك الكهرباء تصل إلى 50% مقارنة بأنظمة التبريد التقليدية، إذ تحتاج إلى نحو 0.9 إلى 1 كيلوواط من الكهرباء لكل طن تبريد، مقابل 1.6 إلى 1.8 كيلوواط للأنظمة التقليدية. ويكتسب هذا الفارق أهمية أكبر عندما تمتد الشبكة لتخدم أحياء ومناطق حضرية كاملة.دبي تبني التبريد بوصفه بنية تحتيةاختبرت دبي، على مدى أكثر من عقدين، نموذجاً مختلفاً في التعامل مع احتياجات التبريد، انطلاقاً من إدراك مبكر بأن التبريد في مدينة ذات مناخ حار لا يمثل مجرد خدمة مرتبطة بالمباني، بل جزءاً من البنية التحتية التي تواكب النمو العمراني وتدعم كفاءة استخدام الطاقة. ومع التوسع المتسارع في المشاريع السكنية والتجارية والسياحية، تطورت خدمات تبريد المناطق لتصبح جزءاً من منظومة البنية التحتية الحضرية في الإمارة، قادرة على تلبية الطلب المتزايد على التبريد على نطاق واسع.وفي هذا السياق، برزت «إمباور» كأحد أبرز النماذج التي جسدت هذا التوجه على أرض الواقع. فمنذ بدء عملياتها في عام 2004 بطاقة بلغت 5,400 طن تبريد، واصلت المؤسسة تطوير محطاتها وشبكاتها بالتوازي مع النمو العمراني في دبي، لتتحول تدريجياً إلى أكبر مزود لخدمات تبريد المناطق في العالم.وقد أسهم هذا النهج في بناء بنية تحتية واسعة لتبريد المناطق في دبي، ضمت بنهاية عام 2025 نحو 90 محطة وشبكة من خطوط أنابيب نقل وتوزيع طاقة تبريد المناطق تجاوز طولها 430 كيلومتراً. وواصلت «إمباور» توسعها خلال النصف الأول من عام 2026، لترتفع قدرتها الموصلة إلى نحو 1.71 مليون طن تبريد، وقدرتها التعاقدية إلى نحو 2.02 مليون طن تبريد، فيما اتسعت شبكة خدماتها لتشمل 1,796 مبنى وأكثر من 161 ألف متعامل من الأفراد والمؤسسات.وقال أحمد بن شعفار، الرئيس التنفيذي لمؤسسة الإمارات لأنظمة التبريد المركزي «إمباور»، وعضو مجلس إدارة الجمعية الدولية لطاقة المناطق (IDEA) والمستشار الخاص لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، ورئيس مجلس إدارة جمعية مشغلي تبريد المناطق في الخليج: «أثبتت التحولات المناخية أن التبريد لم يعد مجرد خدمة للمباني، بل أصبح جزءاً أساسياً من البنية التحتية للمدن. وتجربة دبي على مدى أكثر من عقدين أظهرت أهمية التخطيط المسبق لتطوير محطات وشبكات تبريد المناطق بما يواكب النمو الحضري، ويرفع كفاءة استهلاك الطاقة، ويضمن موثوقية الخدمة. واليوم، تحمل هذه التجربة دروساً يمكن للمدن حول العالم الاستفادة منها في بناء بنية تحتية أكثر كفاءة ومرونة لمواجهة ارتفاع درجات الحرارة وتنامي الطلب على التبريد».