دبوس مصاغة بسوهاج.. صخرة تتحدى المنطق وتفتح أبواب الحكايات بين أساطير الذهب وشواهد التاريخ

في قلب الجبل الغربي بمحافظة سوهاج، تقف صخرة صغيرة الارتكاز عظيمة الحجم، وكأنها تتحدى قوانين السقوط، لتتحول مع مرور الزمن إلى لغز تتناقله الألسن، وتنسج حوله الحكايات من جيل إلى آخر.

هناك، بالقرب من قرية الكوامل وعلى طريق جامعة سوهاج الجديدة، تتربع "دبوس مصاغة"، إحدى الظواهر الطبيعية التي استحوذت على فضول الأهالي، وأثارت خيال الباحثين عن الكنوز المدفونة في أعماق الجبال، لتجمع بين غرابة المشهد وسحر المكان وثراء التاريخ المحيط به.

لم يكن الاسم الذي أطلقه الأهالي على الصخرة وليد المصادفة، فالناظر إليها يجد كتلة صخرية ضخمة تستند إلى مساحة ضيقة للغاية من الجبل، في مشهد يوحي للناظر من بعيد بأنها معلقة في الهواء أو تستقر على رأس دبوس، وهو ما منحها شهرتها باسم "دبوس مصاغة"، وجعلها مادة خصبة للحكايات والتفسيرات الشعبية.

ومع توارث قصصها، لم تعد الصخرة مجرد تكوين جيولوجي لافت، بل أصبحت محورًا لروايات تتجاوز حدود المشهد الطبيعي، وتربط بين شكلها الغريب وأسرار الحضارة المصرية القديمة، خاصة مع وجود مقابر أثرية في المنطقة المحيطة بها.

من بين أكثر الروايات تداولًا بين الأهالي، الاعتقاد بوجود كنوز فرعونية داخل الجبل لا يمكن الوصول إليها إلا بإزالة الصخرة التي يُقال إنها تحرس مدخلًا سريًا إلى تلك الكنوز، وذهبت بعض الحكايات إلى الزعم بأن محاولات سابقة لاستخدام الديناميت في تحطيمها لم تنجح، لتظهر روايات أخرى تتحدث عن تعاويذ سحرية يُعتقد أنها تحمي ما بداخل الجبل.

ولم تتوقف الأساطير عند هذا الحد، إذ تداول البعض اعتقادًا بأن ذبح ديك أو عصفور فوق الصخرة قد يؤدي إلى فتح مغارة خفية مليئة بالذهب والآثار، بينما ربطت روايات أخرى بينها وبين مفتاح لمقبرة فرعونية يُقال إن حارسًا غامضًا يتولى حمايته.

كما استندت بعض الحكايات الشعبية إلى روايات عن حدوث انهيار صخري أو زلزال قديم في المنطقة، مع بقاء الصخرة في موضعها دون أن تسقط، وهو ما زاد من حالة الدهشة المحيطة بها، ورسخ مكانتها في الذاكرة الشعبية لأهالي المنطقة.

وبعيدًا عن الروايات المتوارثة، تكتسب المنطقة المحيطة بالصخرة أهميتها من وجود جبانة أثرية تضم عددًا من المقابر المنحوتة في الصخر، يعود تاريخها إلى عصر الأسرتين الرابعة والخامسة، إلى جانب مقابر أخرى ترجع إلى فترات لاحقة من التاريخ المصري القديم.

وتضم الجبانة مقبرة «كا إم نفرت» وزوجته، ومقبرة «مري» التي ترجع إلى الأسرة السادسة، فضلًا عن مقبرة «مري عا» التي تعود إلى عصر الانتقال الأول.

وتكشف هذه المقابر عن جانب مهم من حياة المصريين القدماء، من خلال المناظر المنقوشة على جدران بعضها، والتي تصور مشاهد من الحياة اليومية والمعتقدات الدينية والتقاليد السائدة آنذاك، ومن بين تلك المشاهد، تبرز مناظر قتال الثيران في الحقول، وهي مناظر لافتة ونادرة نسبيًا في المقابر المصرية القديمة.

كما شهدت المنطقة أعمالًا أثرية نفذتها بعثة أسترالية خلال ثمانينيات القرن الماضي، برئاسة الدكتور نجيب قنواتي، وأسفرت عن اكتشاف عدد من التوابيت الخشبية، أُودعت بالمخزن المتحفي في الشيخ حمد، وفقًا للمعلومات المنشورة عن المنطقة.

وفي مواجهة ما أُثير حول الصخرة من حكايات، أكد علاء القاضي، مدير متحف سوهاج القومي، في تصريحات صحفية سابقة لـ"صدى البلد"، أن الروايات المتداولة بشأن الكنوز والتعاويذ المرتبطة بها لا تستند إلى دليل أثري، موضحًا أن "دبوس مصاغة" تكوين طبيعي تشكل بفعل العوامل الجيولوجية وعوامل التعرية والنحت التي أسهمت في تشكيل الصخور عبر الزمن.

وبذلك، فإن غرابة الصخرة لا تعني بالضرورة ارتباطها بسر فرعوني أو مدخل خفي إلى مقبرة أثرية، بل تعكس قدرة الطبيعة على تشكيل مشاهد استثنائية تثير الدهشة وتدفع إلى التساؤل.