من شوارع الميدان إلى استوديوهات البرامج الصباحية، وصولًا إلى الأمم المتحدة، تخوض الإعلامية داليا أشرف مرحلة جديدة في مسيرتها المهنية، بعد اختيارها مستشارة إعلامية إقليمية في ملف تغيّر المناخ، لتجمع بين الخبرة الإعلامية والبحث الأكاديمي وصناعة الوعي المجتمعي.
وفي حوار خاص، تكشف كواليس رحلتها من العمل مراسلة إلى تقديم البرامج، وأبرز محطاتها في القنوات الفضائية، وتجربتها الأكاديمية، ورؤيتها لمستقبل الإعلام المناخي في المنطقة العربية، ودور الإعلام في مواجهة التضليل وبناء وعي الأجيال الجديدة.
بدأتِ مشواركِ الإعلامي من العمل مراسلةً، ثم انتقلتِ إلى تقديم البرامج.. ماذا علمتكِ الشوارع والميدان، ولم يكن من الممكن أن تتعلميه داخل الاستوديو؟
أعتقد أن أهم شيء تعلمته من عملي مراسلةً ميدانيةً في الشارع هو أن الإعلام ليس مجرد معلومات ننقلها، ولكنه حياة نقترب منها ونحاول فهمها. ففي الميدان نتعامل مع أشخاص مختلفين، وظروف غير متوقعة، وقصص إنسانية لا يمكن أن نتعلمها من الكتب أو من خلف الكاميرا.
الميدان علمني سرعة التصرف، والقدرة على الاستماع، والاستعداد الدائم لما لا أتوقعه. والأهم أنه علمني ألا أحكم على الأحداث من بعيد؛ لأن هناك دائمًا تفاصيل إنسانية قد لا تظهر في الصورة الأولى.
أعتقد أن المراسلة الجيدة لا تنقل الخبر فقط، بل تحاول فهم ما وراء الخبر، وهذه واحدة من أهم القيم التي أخذتها معي عندما انتقلت إلى الاستوديو.
عملتِ في أكثر من قناة، ومررتِ بتجارب إعلامية مختلفة.. ما الفارق الذي وجدته بين العمل مراسلةً والعمل مقدمةَ برامج؟ وأيهما كان الأقرب إلى شخصيتك؟
هناك اختلاف كبير بين التجربتين، رغم أن كلتيهما تكمل الأخرى.
المراسلة تكون في قلب الحدث، وعليها أن تتفاعل بسرعة مع الواقع وتنقل الصورة كما تحدث. أما مقدمة البرامج، فتتحمل مسؤولية أكبر في إدارة الصورة الكاملة، واختيار الموضوعات، وطرح الأسئلة، وإدارة الحوار، وربط التفاصيل بعضها ببعض حتى تصل المعلومة إلى الجمهور بشكل واضح.
بالنسبة لي، أحببت في المراسلة الحركة والتحدي والاقتراب من الناس، وفي تقديم البرامج أحببت مساحة الحوار والقدرة على مناقشة القضايا بعمق أكبر.
لا أستطيع القول إن إحداهما أقرب إلى شخصيتي من الأخرى؛ لأن كل مرحلة أضافت إليّ شيئًا مختلفًا. لكنني أعتقد أن الجمع بين التجربتين هو ما صنع شخصيتي الإعلامية.
عندما بدأتِ تقديم البرنامج الصباحي على قناة النهار عام 2015، كيف تغيرت علاقتكِ بالكاميرا والجمهور مقارنة بمرحلة العمل مراسلةً؟
في الحقيقة، كانت تجربة مختلفة تمامًا. عندما تعملين مراسلةً، تكون علاقتك بالكاميرا مرتبطة بالحدث الذي تقومين بتغطيته، أما في البرنامج الصباحي، فأنتِ تدخلين يوميًا إلى بيوت الناس، وتصبحين جزءًا من روتينهم الصباحي.
بدأت أفهم أن الجمهور لا ينتظر منكِ فقط تقديم الأخبار، ولكنه ينتظر أيضًا أن تكوني قريبة منه، وأن يشعر بالثقة والراحة وهو يستمع إليكِ.
ومع الوقت، أصبحت الكاميرا بالنسبة لي مساحة للتواصل وليست مجرد أداة للعمل. أنا بطبيعتي عفوية، وأحب أن أكون على طبيعتي دون تكلف، لكن يجب أن تكون هذه العفوية مصحوبة بالتحضير والمعرفة والمهنية.
برنامج «8 الصبح» كان محطة مهمة في مسيرتكِ.. ما أصعب شيء في تقديم برنامج صباحي يومي؟ وكيف كنتِ تستعدين للحلقة قبل الظهور على الهواء؟
البرنامج الصباحي اليومي له طبيعة خاصة جدًا؛ لأنكِ مطالبة بأن تكوني حاضرة ذهنيًا، وتتمتعي بطاقة إيجابية، حتى في الأيام التي تكونين فيها مرهقة أو تمرين بظروف شخصية.
دائمًا ما يقال لي إنني «وجه صبوح». لم أفهم هذه العبارة في البداية، لكنني مع الوقت أدركت أن الوجه الصبوح يرتبط بالابتسامة والطاقة الإيجابية والأمل. فالناس تستيقظ لتبدأ يومًا جديدًا بأمل جديد، وتريد أن تنسى الأمس بمشكلاته، وهنا يأتي دور الإعلامي؛ إذ يجب أن يفتح المشاهد التلفزيون فيجد طاقة أمل وإيجابية.
وهذا ما حرصت عليه طوال عملي في برنامج «8 الصبح» لمدة 9 سنوات متتالية. كما أنني كنت موجودة في أول حلقة من أول بث لقناة DMC.
وعلى مدار هذه السنوات، كان أصعب شيء هو الحفاظ على مستوى ثابت من التركيز والحيوية، مع متابعة كم كبير من الأخبار والتطورات، والاستعداد لمناقشة موضوعات مختلفة تمامًا في الحلقة الواحدة.
كنت أؤمن دائمًا بأن الظهور أمام الكاميرا يبدأ قبل دخول الاستوديو بوقت طويل؛ فهناك متابعة للأخبار، وقراءة للموضوعات، وفهم لخلفياتها، وتحضير للأسئلة، وليس مجرد معرفة العناوين.
والأهم بالنسبة لي أن أكون مستعدة لفهم الموضوع، وليس فقط لقراءة ما هو مكتوب أمامي؛ لأن الجمهور يستطيع التمييز بين المذيع الذي يفهم ما يقول، والمذيع الذي يكتفي بتقديم النص.
وهنا أود الإشارة إلى أن دراستي الأكاديمية أضافت لي الكثير؛ فأنا حاصلة على درجتي ماجستير من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتعلمت من خلالهما البحث العلمي وتحليل المحتوى ودراسة الموضوعات بعمق ومن جوانب مختلفة.
على مدار سنوات العمل أمام الكاميرا، هل تغيرت طريقة داليا أشرف في إدارة الحوار وطرح الأسئلة والتعامل مع الضيوف؟ وما الذي تعلمتِه من أخطائكِ الأولى؟
بالتأكيد تغيرت كثيرًا، وأعتقد أن هذا أمر طبيعي وصحي لأي شخص يعمل في الإعلام.
في البداية، ربما يكون التركيز الأكبر على الالتزام بالأسئلة، والتحضير الجيد، ومحاولة تقديم حوار ناجح. لكن مع الخبرة، تتعلمين أن الحوار ليس قائمة أسئلة يجب الانتهاء منها، وإنما مساحة للتفكير والاستماع والتفاعل.
وبالتأكيد، أضافت الخبرات العملية والأكاديمية الكثير إلى شخصيتي المهنية. أصبحت أكثر اهتمامًا بالاستماع إلى إجابة الضيف، وليس فقط انتظار الفرصة لطرح السؤال التالي.
غطيتِ أحداثًا سياسية واقتصادية مهمة مراسلةً.. ما أصعب موقف ميداني لا يزال حاضرًا في ذاكرتكِ حتى اليوم؟
أعتقد أن أصعب ما في العمل الميداني ليس دائمًا موقفًا بعينه، وإنما طبيعة المسؤولية التي تتحملينها عندما تكونين في قلب حدث متغير، والناس ينتظرون منكِ أن تنقلي إليهم الصورة بدقة وموضوعية.
هناك ضغط الوقت، وتغير المعلومات، وأحيانًا صعوبة الوصول إلى المصادر أو التأكد من التفاصيل. وفي هذه اللحظات تدركين أن مسؤوليتك ليست أن تكوني أول من يتحدث، بل أن تكوني دقيقة فيما تقولين.
أكثر ما يظل عالقًا في ذاكرتي من تجربة الميدان هو إدراكي أن وراء كل حدث أشخاصًا وحكايات وتجارب إنسانية، وأن التعامل مع هذه القصص يتطلب احترامًا كبيرًا للناس ولمشاعرهم.
وهذا ما جعلني أؤمن بأن المهنية لا تُقاس فقط بسرعة نقل الخبر، ولكن أيضًا بمدى مسؤوليتنا تجاه الحقيقة والناس.
المذيع قد يواجه أحيانًا ضيفًا صعبًا أو إجابة غير متوقعة على الهواء.. كيف تتعاملين مع المواقف التي تخرج عن السيناريو دون أن يفقد الحوار توازنه؟
أول قاعدة بالنسبة لي هي ألا أفقد هدوئي. عندما يحدث شيء غير متوقع على الهواء، يجب ألا يشعر المشاهد بأن المذيع فقد السيطرة على الحوار.
أحاول أولًا أن أستمع جيدًا لما يقوله الضيف، ثم أعيد توجيه النقاش من خلال سؤال واضح ومباشر.. وأحيانًا تكون الإجابة غير المتوقعة فرصة للوصول إلى معلومة أو زاوية لم تكن موجودة في التحضير الأصلي.