دارة الملك عبدالعزيز

يومًا بعد آخر تتسع نوافذ دارة الملك عبدالعزيز وهي تمضي في رحلتها للعبور إلى مرافئ التثقيف والمعرفة، ولا تزال في رحلتها الميمونة تمضي منذُ أربعة عقود لآفاق تتسع لتحيق حلم من وضع لبناتها الأولى سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -يحفظه الله-، ذلك الحلم المورق بالعلم والمعرفة، لتكون الدارة هي الأرض الخصبة لنفح بذور النور لتزهر اليوم بطلعها النضيد، حتى غدت منارة علمية ومساحة واسعة للمعرفة وأرشيفاً للوطن، وهي على مسافة قريبة من تطلعات الجمع وملتصقة بالواقع والوقائع، فحين كانت الرؤية للدار واضحة والأهداف نبيلة كانت الخطى حثيثة ومتوثبة. دارة الملك عبدالعزيز هي اليوم الواجهة الثقافية والواحة التنويرية لكل باحث ودارس، هي الوجهة التي يمكن من خلالها معرفة تاريخ الوطن من فجر يوم بعيد، وضمن مشروعها التنويري والمعرفي تأبى الدارة من خلال إدارتها النشطة إلا أن تواكب التحولات المتسارعة لتخط طريقًا آخر دُرِس بعناية ليتواكب روح العصر والاتساع التقني، لتوظيف حداثة التقنية في خدمة التاريخ الوطني وإبراز زواخر إرث المملكة الحضارية والثقافية والتاريخية، وهي تهيئ منصات رقمية بمحركات بحث في واجهة الموقع الإلكتروني عبر أيقونات وبروابط متعددة تحفل بكل المراحل العمرية للفئات المستهدفة ومرضية لطموحاتهم، وذلك وفق برامج هادفة يمكن الوصول إليها بكل يسر وسهولة. وبالأمس القريب نظمت الدارة لقاءً ثقافيًا في محاولة جادة من القائمين على البرنامج للوصول إلى أهداف وطموح الإدارة العليا في الدارة، والتي حُفّت بهموم وتطلعات من وضع المداميك الأولى كأساسات ينطق منها نحو عطاء نوعي مختلف ليكون العنوان (أنتمي.. الذاكرة والهوية)، وهو عنوان راهني ومحفز لمراحل لاحقة يتحقق منها المبتغى والهدف، في ترحلٍ فاعل من الذاكرة إلى الانتماء ضمن الجهود الثقافية الواسعة التي تهدف إليها الدارة لتعزيز الوعي المعرفي بالتاريخ الوطني إلى جانب ترسيخ الهوية الثقافية التي هي اليوم تشكل كل قيم المجتمع على اختلاف مستوياتهم الثقافية وتبايناتهم الاجتماعية، ما يعني أن الدارة تعيش زهو عمرها وتتقدم بخطى واثقة نحو رصيد أعمق وهي توقع مذكرة تفاهم مع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء لتوثيق تاريخ الإفتاء في المملكة وفي مقدمة البنود التوثيق الرقمي، الأمر الذي يضع هذا الإرث الشرعي في متناول الباحثين وطلبة العلم من خلال ما سيتم رصده من قبل الدارة ليكون مرجعية علمية موثوق بها، وهذا التعاون الفكري والمعرفي البناء يتجاوز سيرة الإفتاء عبر مراحلها التاريخية إلى تعميق السياق التاريخي الذي ارتبط بنشأة ومراحل عهود الدولة المتلاحقة، بالتالي فإن مثل هذا التوجه يعكس تكامل الجهود الوطنية في حفظ الإرث العلمي الذي يحمل هدي العلماء، عبر العصور من خلال منظومة متكاملة تعمل بحرفية وفق تقنيات حديثة على المواد المختلفة لمعالجتها بطرق فنية ليتم تهيئتها للأجيال القادمة، ولأنها الدارة التي تحتوي على كنوز الثقافة والتاريخ وعلى المعرفة النورانية للتاريخ هذا الوطن العزيز، استحقت اسم المؤسس -طيب الله ثراه-، لتتوشح اليوم برداء الرؤية الوطنية لتكون مواكبة لراهن المرحلة على هيئة مثالية مع التحولات الجديدة، وكذا مواكبة لوقع إيقاع الحياة في القرية الكونية وهي لا تزال تمضي نحو المستقبل بعطاء منقطع النظير، وهي قادرة وبشكل لافت على التنوير والتجديد.