«الحرب لا تحدد من هو المحق، بل من يبقى». وكأن مقولة برتراند راسل تبرز معني «من يزرع الفوضى لا يملك وحده تحديد حدودها، ولا اختيار موعد انتهائها»، فلم يعد ما يجري في اليمن شأنًا يمنيًا ولا خلافًا حدوديًا، لأننا أمام ميليشيا استولت على دولة، ثم وجّهت صواريخها إلى مطارات الجوار وممرات التجارة العالمية، بينما يكتفي العالم بالبيانات، لكن الخطورة الكبرى ليست في الصاروخ نفسه، بل في أن مطلقيه يراهنون على أن أحدًا لن يردّ بجدية تكفي لإيقافهم.
قبل 2014 كان اليمن فقيرًا ومُثقلًا بأزماته، لكنه لم يكن مصدر تهديد للملاحة ولا لعواصم الجوار، ثم جاء الانقلاب على مؤسسات الدولة، وتحولت الحرب إلى مأساة قُدّرت ضحاياها بنحو 400 ألف يمني. وحين أنهت هدنة برعاية أممية عام 2022 سنوات القتال المباشر مع التحالف، كانت المملكة تقاتل الحوثيين منذ 2015، قبل أن يوقف وقف إطلاق النار الأممي ذلك القتال، فظن كثيرون أن اليمن دخل مرحلة التعافي، لكن الجماعة كانت تدخر الصواريخ لجولة أخرى.
اليوم يكشف الواقع حجم الخديعة في الداخل اليمني الذي تتسع الجريمة على مدى أراضيه، فاليمنيون الذين تدّعي جماعة الحوثيين الدفاع عنهم فيدفعون الفاتورة الأقسى، إذ أعلنت الأمم المتحدة لعام 2026، أن هناك 22.3 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدة إنسانية، ويعاني 18.3 مليونًا انعدام الأمن الغذائي الحاد، وما يقارب 40 % من المرافق الصحية معطلة جزئيًا أو كليًا. فمن يقتل شعبًا ويجوّعه باسمه لا يمثله.
والسؤال الذي ينبغي أن يواجهه الحوثيون ليس: كم سفينة يمكن تهديدها؟ بل: ماذا حقق اليمن من وراء هذا المسار؟ هل تحسنت حياة المواطن اليمني؟ هل استعادت مؤسسات الدولة قدرتها على أداء وظائفها؟ هل انحسرت المعاناة الاقتصادية؟ وهل أصبحت البلاد أقرب إلى السلام، أم أُضيفت إلى جراحها جبهات جديدة ومخاطر أوسع؟
تقدم الأرقام الإنسانية جوابًا بالغ القسوة. فوفق خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 الصادرة عن الأمم المتحدة، يحتاج 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، ويعاني 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما يواجه أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة سوء التغذية الحاد. وهذه أرقام لا يجوز اختزالها في سجال سياسي؛ إنها مؤشر إلى حجم الكارثة التي يتحمل اليمنيون تبعاتها.
ولا تعني هذه الأرقام أن جميع أسباب الأزمة تُرد إلى طرف واحد؛ فالمشهد اليمني نتاج حرب ممتدة وانقسام مؤسسي وأزمة اقتصادية وتراجع في الخدمات وعوامل متعددة. لكن ذلك لا يعفي أي طرف من مسؤوليته عن أفعاله، ولا يبرر توسيع دائرة المواجهة أو استخدام المدنيين ومصالحهم أوراقًا في صراعات النفوذ.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لليمن هو أن يتحول من دولة تبحث عن التعافي إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ومن وطن تتطلع أجياله إلى التعليم والعمل والاستقرار إلى منصة تُطلق منها رسائل عسكرية لا يملك المواطن العادي قرارها، لكنه يدفع فاتورتها.
يكفي أن نسأل: من أين تأتي الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة وخبرات التجميع والتوجيه؟، إذ تزداد المخاوف عندما يتقاطع النشاط المسلح للجماعة مع حسابات إقليمية أوسع، ولا سيما في ظل الاتهامات المتكررة بوجود دعم إيراني عسكري وتقني للحوثيين وتدريبهم ودعمهم بما يخالف قرارات مجلس الأمن، فهذه العلاقة، التي تشكل محورًا أساسيًا في تقييم المخاطر الأمنية بالمنطقة، تثير سؤالًا جوهريًا حول استقلال القرار اليمني، وحدود ارتباط الصراع المحلي بمشروعات النفوذ الإقليمي.
لكن التحليل المسؤول يقتضي التمييز بين الوقائع المعلنة والأدلة المتاحة من جهة، والتقديرات السياسية بشأن طبيعة التنسيق ومستوياته من جهة أخرى. فلا ينبغي تحويل كل رواية عن هياكل سرية أو مجالس قيادة أو ترتيبات عسكرية إلى حقيقة محسومة من دون أدلة قابلة للتحقق. قوة الحجة لا تأتي من المبالغة، بل من الدقة؛ والاتهام الأكثر تأثيرًا هو الذي يستطيع الصمود أمام الفحص المستقل. ومع ذلك، فإن جوهر الإشكال واضح: عندما تصبح قرارات الحرب مرتبطة بحسابات تتجاوز المصلحة الوطنية، يتراجع هامش التسوية، وتزداد احتمالات استخدام الجغرافيا اليمنية في صراعات أكبر من قدرة اليمن على تحملها.
وإذا كانت الجماعة الحوثية الإرهابية ترى في التهديد البحري وسيلة لفرض شروط سياسية، فإن هذه الوسيلة قد تنقلب إلى عامل يوسع العزلة، ويستدعي مزيدًا من الضغوط والعمليات العسكرية، ويعقد وصول المساعدات، ويزيد مخاطر تضرر الاقتصاد اليمني. فالقدرة على إشعال الأزمة لا تعني القدرة على التحكم في ردود الفعل الناتجة عنها.
إن أمن السعودية واليمن ليسا نقيضين؛ بل إن استقرار اليمن يمثل مصلحة إستراتيجية للسعودية والمنطقة، وكلما تراجعت قدرة المؤسسات اليمنية على بسط الأمن، ازدادت فرص الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والقوى الخارجية في استغلال الفراغ. لذلك فإن أي تصور مستدام للأمن لا يكتفي باحتواء الهجمات، بل يتطلع إلى يمن قادر على إدارة شؤونه، ومنع استخدام أراضيه منطلقًا لتهديد جيرانه، فالسعودية ليست مجرد دولة مجاورة للأزمة؛ إنها دولة تتأثر مباشرة بأي تصعيد يهدد أمنها الوطني أو يربك حركة التجارة والطاقة في محيطها البحري، فلا يمكن النظر إلى التهديد الحوثي بمعزل عن أمن الحدود والمنشآت الحيوية والموانئ والبنية التحتية للطاقة، ولا عن استقرار اليمن نفسه، لذا يستدعي ذلك التعامل مع الخطر وفق معادلة واضحة: (حماية السيادة والمنشآت والمواطنين، ورفع الجاهزية الدفاعية، وتعزيز أمن الحدود والمجالين الجوي والبحري، بالتوازي مع دعم مسار سياسي يمنع عودة البلاد إلى دوامة الحرب الشاملة).
كما ينبغي أن يكون واضحًا أن أي جماعة مسلحة لا تستطيع تحويل التهديد المستمر إلى حق مكتسب في فرض الإرادة على دولة ذات سيادة. فالردع ليس غاية مستقلة، وإنما وسيلة لحماية الأمن ومنع الاعتداءات وخلق مساحة تسمح بالحلول السياسية. وفي المقابل، فإن إدارة التصعيد تتطلب تقديرًا دقيقًا للعواقب، حتى لا تتحول المواجهة إلى مسار مفتوح تتزايد كلفته على الجميع.
هنا يبلغ المقال لبّ القضية، فالغرب الذي يتشدق بحرية الملاحة يبدو أعجز من أن يحميها، وقد قال الرئيس الأميركي إنه ظن أن الحوثيين تعلموا الدرس قبل عام حين قصفهم وتوقف بناءً على طلبهم، وإنهم عادوا الآن بإيعاز إيراني، وهذا اعتراف بأن الردع الذي لا يُترجَم إلى ترتيبات دائمة يتبخر عند أول فرصة، بل إن تحليل وكالة «دي بي إيه» رأى أن واشنطن، قبيل انتخابات التجديد النصفي وفي ظل عدم شعبية حرب إيران لدى كثير من الأميركيين، لا تبدو راغبة في ضربات جديدة في اليمن؛ لضعفها العسكري، أي أن ميليشيا تعرف حسابات الانتخابات الأميركية أفضل مما يعرفها كثير من المحللين، وتبني توقيت تصعيدها عليها، وهذا ما نسميه موت الردع (حين يصبح العدو أكثر يقينًا بتردد خصومه من يقينهم هم بأنفسهم). وهو درس تشرشل بعد ميونخ: (من يتجنب المواجهة بثمن رخيص يدفع لاحقًا ثمنًا أغلى).