لم تعد تداعيات أزمة التمويلات المرتبطة بمدرسة «جلوبال بارادايم» محصورة في نطاق شركة التمويل الاستهلاكي التابعة لمجموعة «جلوبال كورب» للخدمات المالية غير المصرفية، بعدما امتدت إلى ملفات أكثر حساسية تتعلق بالتمويل الدولي وخطط الاستثمار والاستحواذ على المجموعة.
وبحسب مصادر مطلعة، دفعت التطورات الأخيرة المرتبطة بشركة «أولين» المستثمرين المشاركين في مفاوضات للاستحواذ على حصة مؤثرة في «جلوبال كورب» إلى إعادة تقييم موقفهم، في صفقة تقترب قيمتها من 200 مليون دولار، بالتزامن مع مراجعة إجراءات تمويل دولي كانت الشركة تتفاوض بشأنها.
وتأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه «جلوبال كورب» تنفذ استراتيجية توسع تعتمد على تنويع مصادر التمويل، من خلال المؤسسات المالية الدولية وسوق الدين والتسهيلات الائتمانية.
يمثل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية «EBRD» أحد أبرز المؤسسات الدولية المرتبطة بـ«جلوبال كورب»، سواء من خلال الاستثمار في المجموعة أو التمويلات التي حصلت عليها.
وكان البنك قد استثمر في المجموعة ضمن تحالف ضم «أميثيس» و«SPE Capital»، في إطار دعم توسع الشركة في قطاع الخدمات المالية غير المصرفية.
وفي يوليو 2026، أعلنت «جلوبال كورب» حصولها على تمويل بقيمة 15 مليون دولار من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، بهدف تعزيز مركزها المالي ودعم توسعها في تمويل المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة.
لكن مصادر مطلعة تحدثت لاحقًا عن توقف إجراءات تمويل آخر بقيمة 20 مليون دولار كانت الشركة تتفاوض بشأنه، على خلفية التطورات الأخيرة المرتبطة بأزمة «جلوبال بارادايم».
وهنا يجب التمييز بين الرقمين؛ فالـ15 مليون دولار تمثل تمويلًا أعلنت عنه «جلوبال كورب» بالفعل، بينما الـ20 مليون دولار تخص تمويلًا آخر قالت المصادر إنه تعرض للتوقف أو المراجعة.
لا تكمن أهمية التمويل الدولي في قيمته فقط، وإنما في الجهة التي تقف خلفه.
فالمؤسسات المالية الدولية تضع معايير الحوكمة وإدارة المخاطر والامتثال ضمن العناصر الأساسية عند تقييم الشركات والقرارات التمويلية.
وبالتالي، فإن مراجعة تمويل جديد في أعقاب أزمة رقابية داخل إحدى الشركات التابعة قد تفرض على المجموعة تقديم مزيد من الإيضاحات بشأن نظم الرقابة الداخلية وآليات إدارة المخاطر والإجراءات التصحيحية التي يجري اتخاذها.
وهذا يجعل موقف البنك الأوروبي أحد المؤشرات المهمة التي ستتابعها السوق خلال الفترة المقبلة.
على الجانب الآخر، تواجه مفاوضات الاستحواذ على حصة مؤثرة في «جلوبال كورب» حالة من الترقب.
وبحسب مصادر مطلعة، كانت الصفقة قد قطعت مراحل متقدمة، شملت الفحص النافي للجهالة والتقييم المالي للمجموعة، قبل أن تدفع التطورات الأخيرة المستثمرين إلى تعليق استكمال الإجراءات مؤقتًا.
وتقترب القيمة المتداولة للصفقة من 200 مليون دولار، مع مشاركة مستثمرين محليين وأجانب في المفاوضات.
ولا يعني تعليق المفاوضات إلغاء الصفقة، لكنه يعكس رغبة المستثمرين في معرفة الحجم الحقيقي للمخاطر القانونية والتنظيمية قبل اتخاذ قرار نهائي.
قبل ظهور الأزمة، كان تقييم المجموعة يدور بصورة أساسية حول حجم أعمالها، وتنوع أنشطتها، ومحفظة التمويلات، وقدرتها على الوصول إلى مصادر مختلفة للسيولة.
فالمستثمر الذي يدرس دفع نحو 200 مليون دولار للاستحواذ على حصة في شركة خدمات مالية لن يكتفي بالنظر إلى البيانات المالية، وإنما سيضع في حساباته أيضًا مستوى الرقابة على الشركات التابعة، ونظم التحقق من العملاء، والامتثال، وإدارة المخاطر، وأي إجراءات رقابية أو تحقيقات قائمة.
ومن هنا، فإن نتائج الفحوص والتحقيقات قد تصبح عاملًا مؤثرًا في قيمة الصفقة وشروطها وتوقيتها.
تعد «جلوبال كورب للتمويل العقاري والاستهلاكي – أولين» إحدى الشركات التابعة للمجموعة، وتعمل في تقديم حلول تمويلية تشمل السيارات والتشطيبات والعقارات والمصروفات الدراسية والرعاية الصحية والسفر وعضويات النوادي.
لكن نشاط التمويل الاستهلاكي أصبح محور الأزمة بعد ظهور شكاوى تتعلق بتمويلات مرتبطة بالمصروفات الدراسية لعدد من أولياء الأمور.
وبحسب البيانات التي تم إعلانها بشأن الواقعة، بلغت قيمة التمويلات محل الفحص نحو 391 مليون جنيه، موزعة على 619 عميلًا من خلال 839 عقدًا.
وأدت الواقعة إلى تدخل الهيئة العامة للرقابة المالية، التي اتخذت مجموعة من الإجراءات الرقابية، كان من أحدثها إلغاء الترخيص الممنوح لباسل محمد عبد الحميد الطوخي، الرئيس التنفيذي لنشاط التمويل الاستهلاكي بالشركة.
ونص قرار الهيئة على عدم جواز حصوله على الترخيص مرة أخرى قبل مرور عام، مع ضرورة اجتياز الدورات التدريبية التي تحددها الهيئة.
تكشف التحركات التمويلية للمجموعة قبل الأزمة عن استراتيجية توسع واضحة.
ففي يوليو الماضي، أعلنت «جلوبال كورب» موافقة الهيئة العامة للرقابة المالية على إصدار الشريحة الثانية من برنامجها الأول لسندات الدين قصيرة الأجل بقيمة مليار جنيه.
كما أعلنت المجموعة في مايو تنفيذ إصدار توريق عقاري بقيمة 3.31 مليار جنيه، إلى جانب توقيع تسهيل ائتماني مع «QNB مصر» بقيمة إجمالية تبلغ 3 مليارات جنيه، وفقًا لما أعلنته المجموعة والبنك.
وتشير هذه التحركات إلى اعتماد المجموعة على مزيج من سوق الدين والتمويل المصرفي والمؤسسات المالية الدولية لتمويل توسعها.
لكن الأزمة الحالية تفرض اختبارًا على قدرة هذا النموذج على الاستمرار بنفس الوتيرة.
لا تقتصر تداعيات الأزمة على المستثمرين المحتملين في صفقة الاستحواذ.
ويضم هيكل المساهمين مؤسسات استثمارية دولية، من بينها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية و«SPE Capital» و«Amethis»، والتي دخلت المجموعة ضمن تحالف استثماري في 2022.
وبالتالي، فإن الأزمة تضع المساهمين الحاليين أمام سؤال مختلف:
هل الإجراءات الرقابية الحالية كافية لاحتواء تداعيات الأزمة وحماية قيمة الاستثمار؟
والإجابة ستتوقف بدرجة كبيرة على نتائج التحقيقات، وما ستكشفه من مدى اتساع المخالفات وطبيعة المسؤوليات داخل شركة التمويل.
لكنها قد تؤثر في السعر أو الشروط أو الجدول الزمني.
فالمستثمرون قد يطلبون إعادة تقييم قيمة الشركة، أو الحصول على ضمانات إضافية، أو تعديل بعض بنود الصفقة، أو الانتظار حتى انتهاء التحقيقات قبل ضخ أموال جديدة.
وفي المقابل، إذا أثبتت الفحوص أن الأزمة محدودة بنطاق معين، وتمكنت المجموعة من معالجة أوجه القصور الرقابية، فقد تعود المفاوضات إلى مسارها السابق.
المشهد الحالي يضع «جلوبال كورب» أمام اختبار مزدوج.
فمن ناحية، هناك تمويل دولي بقيمة 20 مليون دولار تقول مصادر إنه دخل مرحلة التوقف أو المراجعة.
ومن ناحية أخرى، هناك صفقة استحواذ تقترب من 200 مليون دولار أصبحت مرتبطة بصورة أكبر بنتائج التحقيقات والتقييم التنظيمي.