في هذه الزاوية سيأخذنا سالم الصقور ، روائي سعودي مؤسس مكتبة ومنشورات أما بعد ، صدر له رواية « القبيلة التي تضحك ليلاً ، الى عوالم القراءة من خلال ما أطلع علية مؤخراً ويوصي بقراءتها.. دروب لا تفضي إلى مكان مارتن هايدغر.. كتاب يجمع ست دراسات فلسفية كتبها المؤلف في مراحل مختلفة عنوانه مستوحى من طرق للحطّابين في الغابة، وهي دروب تبدو كأنها تقود إلى وجهة، ثم تنقطع فجأة. وهذه طريقة هايدغر في التفكير، فالفلسفة عنده ليست طريقًا مستقيمًا يؤدي إلى إجابات نهائية، بل سيرٌ متواصل في أسئلة الوجود والحقيقة والفن واللغة ، يناقش هايدغر في الكتاب أصل العمل الفني، ويرى أن الفن ليس مجرد شيء جميل أو موضوع للمتعة، بل حدث تنكشف من خلاله حقيقة الموجود. وفي دراسته عن «عصر صورة العالم» يتأمل تحوّل الإنسان الحديث إلى ذات تجعل العالم موضوعًا للتمثيل والسيطرة، ويربط ذلك بصعود العلم والتقنية الحديثة. كما يعود إلى تاريخ الميتافيزيقا الغربية، متوقفًا عند نيتشه وهيغل ومفهوم العدم، ليتتبع الكيفية التي ابتعد بها الفكر الغربي عن السؤال الأساسي، عن معنى أن يكون الشيء موجوداً. يدعو هايدغر القارئ إلى تجربة مختلفة في التفكير، في الاقتراب من الأشياء دون اختزالها في المنفعة أو التعريفات الجاهزة. لذلك فـ«الدروب» التي لا تصل إلى مكان ليست طرقًا فاشلة، إنما مسالك تكشف أثناء السير فيها ما كان محجوبًا عن النظر. الرجل الذي كان يحب الكلاب ليوناردو بادورا.. رواية استطاعت أن تحول واقعة تاريخية معروفة، هي اغتيال ليون تروتسكي، إلى عمل روائي شديد الحيوية والتوتر، أكثر ما أحببته فيها بناؤها السردي. نحن أمام ثلاث حكايات تسير في خطوط متوازية، تروتسكي في منفاه، ورامون ميركادير في رحلته الطويلة ليصبح القاتل، وإيفان الكاتب الكوبي الذي يلتقي رجلًا غامضًا على شاطئ هافانا ، تتباعد هذه الخطوط وتقترب، ويعرف القارئ منذ البداية تقريبًا إلى أين ستنتهي الحكاية، ومع ذلك لا يفقد السرد قدرته على جذبه. وهذه إحدى أجمل مفارقات الرواية. أن تعرف القاتل والقتيل والجريمة، ثم تقرأ مئات الصفحات بشغف كأنك لا تعرف شيئًا ، لأن السرد لا يجعلك تريد معرفة ما سيحدث ولكن كيف حدث. كوميديا الجنائز سفيان رجب.. منذ أن أنهيتها يلازمني شعور بأنها رواية ستأخذ مكانها مع الوقت. فيها صوت روائي واضح وعالم مكتمل، والأهم أنني لم أشعر أثناء قراءتها بأنني أمام رواية تشبه روايات قرأتها من قبل ، تدور في عالم المسرح وتونس في سنواتها المضطربة، وتترك شخصياتها تتورط في الحياة بكل ما فيها من خوف وفوضى ومفارقات مضحكة. السخرية فيها ذكية وطبيعية، تأتي غالبًا في اللحظة التي لا تتوقع أن تضحك فيها، ثم تكتشف أن وراءها قدرا من المرارة. أعجبني أيضًا حضور المسرح في الرواية، فالشخصيات تؤدي أدوارًا على الخشبة، ثم تخرج منها لتجد نفسها في أدوار أخرى فرضتها عليها الحياة. هذا التداخل منح الرواية كثيرًا من طاقتها وخصوصيتها ، من النادر أن أنهي رواية حديثة وأنا أفكر في مستقبلها، لكن هذا ما حدث مع «كوميديا الجنائز». أعتقد أنها ستجد قراءها، وستتسع دائرة الاهتمام بها، وربما نعود إليها بعد سنوات بوصفها واحدة من الروايات التي تركت أثرًا واضحًا في جيلها. متاهة الوحدة أوكتافيو باث.. لم أشعر أنني أقرأ كتابًا في الهوية بقدر ما كنت أقرأ كاتبًا يحاول فهم الإنسان من خلال بلاده ، ينطلق باث من المكسيك، تاريخها، وعلاقتها بالموت، وأعيادها، وعزلتها، وذاكرتها، والطريقة التي يرى بها المكسيكي نفسه والعالم. لكنه كلما توغل في الشخصية المكسيكية، اتسعت أسئلته وأصبحت أقرب إلينا جميعًا ، الوحدة هنا ليست حالة فردية عابرة، وإنما شعور عميق بالانفصال، ومحاولة مستمرة للعثور على صلة بالآخر وبالعالم ، ما أدهشني في الكتاب أيضًا هو لغته. باث شاعر قبل كل شيء، وهذا حاضر حتى في أكثر صفحاته فكرية. أفكاره تأتي محملة بالصور والحدس والتأمل، ولهذا يمكن قراءة «متاهة الوحدة» ككتاب في الثقافة والتاريخ، ويمكن قراءته أيضًا كنص أدبي شديد الجمال. مرّ على صدور الكتاب أكثر من سبعين عامًا، ومع ذلك ما زلت أراه من الكتب التي تحتفظ بحياتها. وربما تكمن أهميته في أن المكسيك التي حاول باث فهمها تحولت بين يديه إلى مرآة أوسع. كيف تصنع الشعوب صورتها عن نفسها، وكيف تعيش داخل تاريخها، وكيف تبحث عن نفسها وسط طبقات الذاكرة والخوف والوحدة. تقرير إلى غريكو نيكوس كازانتزاكيس.. من الكتب التي يصعب عليّ وضعها في تصنيف واحد ، سيرة فكرية للمؤلف تقرير يرفعه في نهاية رحلته إلى جده الروحي «غريكو»، الرسام الكاريكاتيري الشهير إل غريكو يسرد له حياته وما خاضه فيها من تجارب، وما مرّ به من أفكار، ومحاولاته الطويلة للوصول إلى الحقيقة ، أحببت في هذا الكتاب ذلك القلق الذي لا يفارق صاحبه. ينتقل كازانتزاكيس بين الأمكنة والأفكار والأشخاص، من كريت إلى أوروبا، ومن المسيحية إلى نيتشه وبوذا، ومن الأدب إلى السياسة والسفر، وفي كل محطة يبدو كأنه عثر على ما يبحث عنه، ثم سرعان ما يبدأ من جديد. هذا القلق هو الذي أعطى الكتاب حياته وقوته، يكتب عن الأشخاص الذين عرفهم، وعن المدن والكتب والأفكار التي غيرته، لكنه يكتب أكثر عن نفسه وهي تتغير. ولهذا شعرت أثناء القراءة أنني أتابع تكوّن كاتب وروح في الوقت نفسه، ومن أجمل ما في الرواية لغته المشبعة بالشعر والتأمل. هناك صفحات تتوقف عندها لمجرد جمالها، وصفحات تعيدك إلى أسئلتك أنت ، وربما لهذا بقي الكتاب قريبًا مني، لأن كازانتزاكيس كتب حياته باعتبارها رحلة لم تكتمل، وترك للقارئ شعورًا بأن الإنسان يبقى حتى النهاية في الطريق. سالم الصقور