خطيب المسجد النبوي: آيات القرآن ترسم للمؤمن منهج حياته، وتجيب عن تساؤلاته

قال الشيخ الدكتور أحمد بن علي الحذيفي، إمام وخطيب المسجد النبوي، إن الله سبحانه قد أودع في خزائن كتابه العظيم من الأحكام والحِكَم ما فيه مَقْنَع للعقول، ومُستراح للنفوس، وشفاء للصدور.

وأوضح " الحذيفي " خلال خطبة الجمعة الأولى من شهر جمادي الأول اليوم من المسجد النبوي بالمدينة المنورة، أنه تعالى فصّل فيه قصة الحياة الغابرة والرحلة العابرة للإنسان في هذه الدنيا.

وتابع: منذ أن لم يكن شيئًا مذكورًا إلى حين خلقه وتصويره، حتى ينقضي أمد رحلته القصيرة على هذه الأرض، ثم ما يكون من أمر حياته الأخرى الباقية من حين مماته إلى بعثه ونشوره، إلى ما يكون من حسابه ومصيره الذي ينتهي إليه.

وأردف: مقررًا في حنايا ذلك وثناياه الغاية التي لأجلها أوجده وأنشأه، وما به تكون سعادته وشقوته، وقصّ فيه أحوال الأمم الماضية والقرون السالفة، في سلسلة متصلة من آيات القرآن وهداياته، ترسم للمؤمن منهج حياته، وتجيب عن تساؤلاته.

وأفاد قائلاً: تأملوا معي سورة عظيمة من سور القرآن: سورة (ق)، فقد كان نبينا -صلى الله عليه وسلم- يخطب بها أو ببعضها يوم الجمعة، قالت أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضي الله عنها: «ما أخذت (ق والقرآن المجيد) إلا عن لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس».

وبين أنه كان ذلك منه -صلى الله عليه وسلم-لإلمام تلك السورة العظيمة بتلك المعاني الكبرى والغايات الجُلّى، في نظم قرآني فريد، وعقد بياني نضيد، يجمع إقامة الحجج الظاهرة والمواعظ الزاجرة، فيستحث النفوس.

وأضاف: ويستدرّ المدامع، وينهض بالعزائم إلى صراط الله المستقيم ومنهجه القويم، مبينًا أن الله استهل السورة باستهلالة بديعة تستوقف القلوب أمام جلال هيبتها، وتطلق أعنّة الألباب في التفكر في لطائف دلالتها؛ حيث استفتحها بحرف من الحروف المقطعة.

واستطرد: أتبعه بقسم عظيم حُذف جوابه انتقالًا إلى القضية الكبرى: قضية البعث والحياة الأخرى؛ لتأخذ روعة تلك الاستهلالة وهيبة تلك الاستفتاحة بالنفوس والقلوب، مقررًا تلك الحقيقة الكبرى بما بثّه في صفحات الكون من دلائل قدرته الظاهرة وآياته الباهرة .

واستشهد بقوله تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ).

وواصل: ثم ينتقل سياق السورة تاليًا بيانه ثانيًا عنانه من صفحات الكون المشاهد إلى صفحات التاريخ الإنساني استحضارًا لمصائر من تلقّى وحي الله بالتكذيب والإعراض، لما قال سبحانه:(كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ).

ونوه بأنه ختم ذلك المعنى بتقرير القضية الكبرى التي استهل بها السورة: (أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ)، موضحًا أن السورة تأخذنا إلى تقرير معاني الإحاطة الربانية بالخلق والقدرة الإلهية عليهم.

وأكمل: تذكيرًا بلحظات انطواء صفحات العمر وانقضائها، واستقبال الحياة الآخرة الباقية وما يكون فيها من الأحوال والأهوال، وما تنتهي إليه رحلة الإنسان بعد ذلك من نعيم أبدي أو شقاء سرمدي.

واستند لقوله جل وعز: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾، يختمها بموعظة ترتجف منها القلوب وتجف:(وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).

وأبان أن حديث السورة في أواخر مساقه يؤكد تلك القضية الإيمانية الغيبية: قضية البعث والنشور والحياة الأخروية الباقية، ليرسخ في القلب أن قضية الإيمان بالله واليوم الآخر قضية محورية في حياة المؤمن، لما تلقيه من ظلال ندية وثمار جنية في حياته وواقعه.

وأشار إلى أنها تتمثل في سكون النفس وطمأنينتها في خضم هذه الحياة وتقلباتها، وتغيراتها المتسارعة ومكدراتها، فالمؤمن يقطع مسيرة الحياة ويخوض غمراتها بقلب يراقب الله ويرعى حقه وحق خلقه، وينظر إلى هذه الدنيا بأنها مرحلة من مراحل السير إلى الله.

ولفت إلى أن للحرمين الشريفين والمدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة عظيم الحرمة وجليل المنزلة عند الله وعند رسوله -صلى الله عليه وسلم- وعند أهل العقيدة والإيمان على مر الحقب والأزمان ما جعلهما حرمًا آمنًا وظلًّا وارفًا ومرتعًا وادعًا للعابدين والراكعين والساجدين وعموم القاصدين.

وأدان “ الحذيفي” ما قامت به جماعة الحوثي الإرهابية وزمرتها الإجرامية من استهداف لمكة المكرمة والمدينة المنورة، وما أقدمت عليه تلك الزمرة الإرهابية من استهداف لمطار الملك خالد الدولي بالرياض وما كان من أثر ذلك من إزهاق للأرواح وترويع للآمنين وقتل للزوار والمعتمرين.

وأشار إلى أنه من العظائم والجرائم التي تستنكرها الشريعة الإسلامية والعقول الزكية والفطر السوية والقوانين الدولية أعظم الاستنكار، وهي مع كونها محاولات يائسة وأعمالًا بائسة فإن التاريخ قد أثبتها في ديوان أهل البغي والفساد، وسجل القرآن على أسلافهم من أصحاب الفيل سوء عدوانهم، وبشر بعتى هزيمتهم وخسرانهم.

واستدل بقول الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ)، داعيًا الله تعالى أن يحفظ هذه البلاد الطيبة الطاهرة المملكة العربية السعودية مأرز الإيمان ومهبط الوحي ومهوى أفئدة المسلمين ومثوى سيد المرسلين من كيد الكائدين ومكر الماكرين، وأن يوفق ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين وولي عهده، لما فيه خير العباد والبلاد يا رب العالمين، وأن ينصر الله جنودنا، ويحفظ حدودنا، ويحم ثغورنا.

وأوصى المسلمين بتقوى الله تعالى، فهي أحسن ما أسرَرْتم، وأجمل ما أظهرتم، وأنفس ما ادَّخرتم، إنها السبيل إلى السعادة الكبرى، وخير الزاد في الأولى والأخرى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى).