قال إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور فيصل بن جميل غزاوي -في خطبة الجمعة-: مَا أَحْفَرَ شَأْنَهَا وَمَا أَهْوَنَ قَدْرَهَا، خُطُوبُهَا تَتَجَدَّدُ، وَأَشْجَانُهَا تَتَعَدَّدُ، صَفْوُهَا مَمْزُوجٌ بِكَدَرِهَا، وَحُلْوهَا مَتْبُوعٌ بِمُرهَا، أَوَّلُهَا عَنَاءٌ، وَآخِرُهَا فَنَاءُ، إِقْبَالُهَا خَدِيعَةٌ، وَإِدْبَارُهَا فَجِيعَةٌ، وَلَذَّاتُهَا فَانِيَةٌ، وَتَبِعَاتُهَا بَاقِيَةٌ، حَلَالُهَا حِسَابٌ، وَحَرَامُهَا عِقَابٌ، إِنَّهَا الدُّنْيَا سَرِيعَةُ الفَنَاءِ، قَرِيبَةُ الانْقِضَاءِ، يَخْرَبُ عُمْرَانُهَا، وَيَمُوتُ سُكَّانُهَا، وَتَذْهَبُ بَهْجَتُهَا، وَتَتَبَدَّدُ مَسَرَّتُهَا، وَتَبِيدُ خُضْرَتُهَا، وَمَعَ هَذَا؛ فَمَا أَكْثَرَ مَنْ يَمِيْلُ إِلَيْهَا وَيَهْوَاهَا، وَيَبِيعُ نَفْسَهُ لِرِضَاهَا، وَيَغْرَقُ فِي بَحْرِ هَوَاهَا؛ وَيَعِيشُ لَهَا وَحْدَهَا، وَلَا يَنْتَظِرُ مَا بَعْدَهَا؛ فَهُوَ فِي هَمَّ لَازِمٍ، وَتَعَبٍ دَائِمٍ. وأضاف: لَقَدْ بَيَّنَتْ لَنَا نُصُوصُ الْوَحْيَيْنِ بَيَانًا شَافِيًا، حَقِيقَةَ هَذِهِ الدُّنْيَا الفَانِيَةٌ، يَقُولُ تَعَالَى تَصْغِيرًا لِشَأْنِهَا وَتَحْقِيرًا لِأَمْرِهَا: «اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَهُوَ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرُ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ». وبيّن أن مِنَ النَّاسِ مَنْ اسْتَحْكَمَتْ الدُّنْيَا مِنْ قَلْبِهِ، وَاسْتَحْوَذَتْ عَلَى مَشَاعِرِهِ وَلُبِّهِ؛ فَانْغَمَسَ فِي شَهَوَاتِهَا وَهَلَكَ فِي أَوْدِيَتِهَا، أُولَئِكَ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: «وَغَرَّتهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا». وأكد أن عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ نَظْرَتُهُ لِلدُّنْيَا نَظْرَةً مُتَوَازِنَةً مُتَكَامِلَةً، فَإِدْرَاكُهُ لِحَقِيقَتِهَا الَّتِي تُزَهّدُ فِيْهَا لَا يَعْنِي الرَّهْبَانِيَّةَ وَالانْقِطَاعَ عَنِ الحَيَاةِ وَتَرْكَ العَمَلِ، أَوْ تَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ؛ فَالْمُؤْمِنُ مَأْمُورٌ بِإِعْمَارِ الأَرْضِ، وَمُبَاحٌ لَهُ التَّمَتَّعُ بِالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ، وَمُطَالَبٌ بِالسَّعْيِ فِي الكَسْبِ الحَلَالِ وَالانْتِفَاعِ بِهِ فِي حُدُودِ الشَّرْعِ، بِلَا إِسْرَافٍ وَلَا مخِيلَةٍ. وأشار إلى أَنَّ زُهْدَ المُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا يَدْعُوهُ إِلى أَنْ يَقُوْمَ بِالإِصْلَاحِ فِيْهَا، بِنَشْرِ التَّوْحِيدِ والإِيمَانِ وَالسُّنَّةِ، وَمُدَافَعَةِ الشِّرْكِ وَالشَّرِّ وَالفِتْنَةِ. وأبان أن وَمَا وَرَدَ فِي ذَمِّ الدُّنْيَا مِنَ النُصُوصِ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ ذَمَّ الْحَيَاةِ أَوِ الْأَرْضِ أَوِ الزَّمَانِ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ ذَمُّ الْعَمَلِ السَّيِّئِ فِيهَا وَالْعِصْيَانِ، وَالانْشِغَالِ بِمَا عَنْ طَاعَةِ الرَّحْمَنِ، مختتماً أنَّ مُرُورَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ، وَانْقِضَاءَ الشُّهُورِ وَالأَعْوَامِ، مِنْ أَبْلَغِ المَوَاعِظُ لِذَوِي الأَفْهَام.