خطيب الجامع الأزهر: التمسك بالحق والاحتكام إلى هدي الله يمثلان صيانة الأمة من التفرق

ألقى الدكتور عبد الفتاح العواري، العميد الأسبق لكلية أصول الدين بالقاهرة بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية، خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر، بعنوان: "معرفة الحق برهان صدق إيمان المسلم"، مؤكدًا أن التمسك بالحق والرجوع إلى شريعة الله في مواطن النزاع والاختلاف من أبرز دلائل صدق الإيمان، وأن المسلم مطالب بالبحث عن الحق واتباعه بعيدًا عن الأهواء والتعصب، لأن هذا المنهج يحفظ للأمة وحدتها ويصونها من التفرق والتمزق.

وأوضح الدكتور عبد الفتاح العواري، أن المسلم حين تتداخل عليه الأمور وتتشابك الآراء وتشتد الخلافات، ينبغي له أن يجعل غايته الوصول إلى الحق والصواب، وأن يلتمسه بالرجوع إلى شريعة الله، بدلًا من الانقياد للأهواء التي تشتت الفكر وتخل بتوازن الإنسان والمجتمع، قال الله تعالى: "فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا"، كما أن الإيمان الصادق يقتضي قبول الحق والتسليم له، كما قال تعالى: "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا".

وأضاف الدكتور عبد الفتاح العواري أن استمرار النزاع دون الاحتكام إلى شرع الله يهدد وحدة الأمة ويعرضها للتفرق والتشرذم، لأن معرفة الحق تحتاج إلى قوة في الإيمان وثبات في اليقين، وألا يخشى المسلم في سبيله إلا الله تعالى، فالحق هو الأساس الذي قامت عليه السماوات والأرض، ولا يستقيم أمر الحياة إذا خضعت الحقائق للأهواء والرغبات، قال تعالى: "وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ"، وقوله سبحانه: "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ"، كما أن الأمة التي تتنكر للحق وتستسلم للأهواء تفقد أسباب وحدتها واستقامتها، وأن دين الإسلام وكتابه ونبيه وشريعته كلها قائمة على الحق والهداية.

وأشار خطيب الجامع الأزهر إلى أن النبي ﷺ كان يسأل الله الهداية إلى الحق فيما اختلف فيه الناس، فقد ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه عند قيامه من الليل: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"، وهذا الدعاء يجسد أهمية التوجه إلى الله طلبًا للهداية والتوفيق والسداد، ويؤكد أن الوصول إلى الحق يستلزم صدق اللجوء إلى الله والاعتراف بفضله.

وبين فضيلة الدكتور عبد الفتاح العواري أن القوة المادية، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لمعرفة الحق أو الثبات عليه، ما لم تقترن بالإيمان بالله والتواضع له والإقرار بأن الفضل كله بيده سبحانه، فنبي الله سليمان عليه السلام حين رأى عرش بلقيس حاضرًا عنده، فقال: "هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ"، في دلالة على أن القوة والتمكين يستوجبان الشكر لا الغرور والاستعلاء، وأن المؤمن الحق ينسب الفضل إلى الله ويذعن لقدرته ومشيئته، ولا يجعل ما يمتلكه من أسباب القوة مبررًا للتكبر أو الاعتداء على الآخرين.

واختتم خطيب الجامع الأزهر خطبته بالتأكيد على ضرورة مراجعة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، والتمسك بالحق في القول والعمل، وعدم الانسياق وراء الأهواء أو الاغترار بالقوة المادية، داعيًا المسلمين إلى تجديد إيمانهم وتقواهم والاعتراف بفضل الله عليهم، حتى يميزوا الحق من الباطل ويستقيموا على طريق الهداية، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ"، وقوله سبحانه: "ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ"، لأن التمسك بالحق والاحتكام إلى هدي الله يمثلان أساس النجاة والاستقامة وصيانة الأمة من الاختلاف والتفرق.